زي النهاردة.. ذكرى ميلاد «بنت النيل» المناضلة لأجل حرية المرأة والوطن

بعد أيام من انتهاء حملة الـ 16 يومًا العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، وأيام أيضًا على مرور اليوم العالمي لحقوق الإنسان، يحتفل محرك البحث «جوجل» بذكرى مرور 108 عامًا على مولد الناشطة المصرية درية شفيق، الرائدة بمجال الدفاع عن حقوق المرأة والمناضلة في سبيل حق المصريين في التعليم والتخلص من الاحتلال البريطاني.

ولدت درية في مدينة طنطا في 1908، ودرست بمدرسة البعثة الفرنسية بالمدينة، وكانت الطالبة النجيبة ضمن أول بعثة من الطالبات ترسلها وزارة المعارف المصرية للدراسة في جامعة السوربون بالعاصمة الفرمسية باريس، على نفقة الدولة، لتحصل من ذات الجامعة على درجة الدكتوراة في الفلسفة في 1940 عن موضوع «المرأة في الإسلام»، حيث سعت إلى إثبات أن حقوق المرأة في الإسىم تساوي أضعاف ما منحها أي تشريع آخر من حقوق.
الاهتمام بحقوق المرأة بدأ يدور في ذهن درية بعد عودتها من باريس، حيث رفض عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة تعيينها للتدريس بالجامعة لأنها امرأة. وكانت هذه الحادثة فرصة كي تعرض عليها الأميرة شويكار، ابنة الأمير إبراهيم فهمي، رئاسة مجلة «المرأة الجديدة» التي تصدرها، وما لبثت بعد فترة من رئاسة المجلة أن أصدرت مجلتها الخاصة «بنت النيل» - وهو اللقب الذي لازمها فيما بعد - لتكون أول مجلة نسائية ناطقة بالعربية موجهة لتعليم وتثقيف المرأة المصرية.
وازداد نشاط درية اشتعالًا، فأسست في أواخر عقد الأربعينيات «اتحاد بنت النيل»، المنادي بالتحرر الكامل للمرأة المصرية، ولم تنسَ الهم الوطني أيضًا فقادت مظاهرة من فتيات الاتحاد حاصرت بنك «باركليز» البريطاني في يناير 1951، ودعت المتظاهرات إلى مقاطعة المصريين للبنك، وهو ما عرّض درية للمحاكمة.
وبعد شهر واحد من هذا الحدث، أسست درية فرقة شبه عسكرية من النساء المصريات للمشاركة في مقاومة الاحتلال البريطاني في السويس، وتضمن الإعداد للفرقة التدريب على القتال وإعداد ممرضات لعلاج مقاتلي المقاومة في الميدان. كما قادت تحركًا نسويًا تاريخيًا، تمثل في مظاهرة برفقة 1500 امرأة مصرية اقتحمت مقر مجلس النواب للمطالبة بأن ينظر البرلمان بجدية في قضايا ومطالب المرأة المصرية، وبعد أسبوع من تلك المظاهرة الجريئة عُرض على البرلمان قانون ينص على منح المرأة المصرية حق الانتخاب وحق الترشح لعضوية البرلمان.
 
 
وما لبثت ثورة 23 يوليو 1952 أن قامت، ليتحول «اتحاد بنت النيل» إلى أول حزب سياسي نسائي في مصر، لكن درية واجهت فيما بعد أزمة عدم وجود امرأة واحدة بين أعضاء لجنة إعداد الدستور الجديد، المشكلة من قبل حكومة الثورة في 1954، فقامت برفقة أخريات بالإضراب عن الطعام لمدة عشر أيام احتجاجًا على ذلك، فأرسل الرئيس محمد نجيب رسالة إليها مع محافظ القاهرة، يعدها فيها بأن يكفل الدستور الجديد الحق السياسي للمرأة. وبالفعل تُوِّجت جهود درية بمنح المرأة حق التصويت والمشاركة في الانتخابات العامة، للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث.
ولكن الأوضاع السياسية في مصر تقلبت سريعًا، ولم يعد ثمة نشاط حقيقي للأحزاب السياسية في ظل الظروف المصرية الاستثنائية، وتوجه الدولة بالتدريج نحو فكرة الحزب الشعبي الواحد، فظلت درية في عزلة عن العمل السياسي والنشاط المجتمعي طيلة 18 عامًا.
وكادت العزلة أن تشهد انفراجة ما، بعدما عُقد قران درية والكاتب الشاب أحمد الصاوي، صاحب عمود «ما قل ودل» بجريدة الأهرام في ذلك الوقت، في قصر هدى شعرواي زعيمة الحركة النسائية في مصر؛ ولكن الزواج الذي حاز اهتمامًا نخبويًا وشعبيًا كبيرًا انتهى بالطلاق قبل الزفاف نظرًا لمعتقدات الصاوي المحافظة فيما يتعلق بعمل زوجته في المجال السياسي والاجتماعي، رغم كتاباته المتحررة المؤمنة بحقوق المرأة، وفقًا لرواية جارها الكاتب مصطفى أمين في كتابه «شخصيات لا تُنسى».
ولكن العزلة لم تمنع القيادية المصرية عن الاستمرار في مهمة أخرى نحو مجتمعها، هي التنمية الثقافية، التي بدأتها بتأسيس حركة للقضاء على الأمية المتفشية بين النساء والفتيات في عدة مناطق شعبية بالقاهرة، وتأسيس مدرسة لمحو الأمية في حي بولاق. فإلى جانب مشاركتها في لإصدار دوريتيْ «المرأة الجديدة» و«بنت النيل»، ومجلة «الكتكوت الصغير» للأطفال، ترجمت درية خلال سنوات عزلتها القرآن الكريم إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ونشرت مذكراتها الخاصة وألفت عدد من الدواوين الشعرية والكتب.
ورغم هذه المسيرة الحافلة، أجهزت العزلة على ما بقي لدى درية من نشاط وجمال، حيث أشار مصطفى أمين إلى أنها عاشت في شقتها لا يزورها أحد لا تزور أحدًا، ويراها هو في مصادفات قليلة فتبدو شاحبة ترتدي فستانًا قديمًا، وهي المعروفة بالأناقة والجمال فيما مضى، حتى توفيت في 20 سبتمبر 1975 بعد سقوطها من شرفة المنزل، واعتقد البعض أن عزلتها أودت بها إلى الانتحار.
وألهمت قصتها سينثيا نيلسون، الناشطة النسوية وأستاذة علم الإنسان بالجامعة الأمريكية في القاهرة، التي ألفت كتاب «امرأة مختلفة» حول قصة حياتها التي اعتبرتها «قصة لقاء بين الوعى النسائى الوليد لامرأة وبين صحوة الهوية القومية لمجتمعها، المنبثقة من الواقع التاريخى لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية». ووصفتها في الكتاب بأنها «امرأة مصرية أرادت لحياتها أن تكون تحفة فنية، كافحت وحدها في وجه قوى الرجعية في مجتمعها – سواء أكانت ثقافية أم دينية أم سياسية – والتي كانت تعارض المساواة الكاملة بين المرأة والرجل».
التعليقات