لأول مرة| بالصور.. «مرمطة» شباب الإخوان في إسطنبول

صورة للعشش التي يعيش فيها شباب الإخوان في إسطنبول
صورة للعشش التي يعيش فيها شباب الإخوان في إسطنبول

 

- من النسخة الورقية

4 حكايات لشباب الإخوان التائه فى إسطنبول!

نرصد قصص أربعة شباب سافروا إلى تركيا هربًا من الملاحقات الأمنية والقضائية بعد فض «رابعة» ليعيشوا فى عشش وأكواخ.. والجماعة «مطنشة»

أغلبهم هرب من مصر بمساعدة أسرهم ومعارفهم.. والإسكندرية والسودان ترانزيت قبل السفر إلى تركيا

مسؤولو التنظيم يمنعون المساعدات عن عشرات الشباب «الهارب» العائد للجماعة بعد عزل مرسى عقابًا لتمردهم على القيادة سابقًا

الإقامة فى غرفتين صغيرتين مع 12 شخصًا من جنسيات مختلفة تتكلف 200 ليرة فى الشهر

 

1236 كيلومترا تقريبًا تفصل بين القاهرة وإسطنبول، بيد أن عشرات الشباب الفارين إلى المدينة التركية الآثرة، سواء كانوا إخوانًا تنظيميين أو حتى مجرد متعاطفين، قد طووا تلك المسافة البعيدة لتتلاشى فى مخيلتهم تمامًا أملًا فى عودة تبدو صعبة إلى مصر، بعدما ذاقوا الأمرَّين من فصيل سياسى لم يحترف فقط تجارة الدين لكنه كان -ولا يزال- بارعًا فى الاتجار بالدماء والموت، ودولة لا يبدو أنها ستحيد فى الوقت الراهن عن الحلول الأمنية وعصا التنكيل ولو بالمغرر بهم أو المخدوعين..
هنا فى القاهرة، ومن فوق منصة رابعة، قبل قرابة الثلاثة أعوام، كان نفر من مشعلى الحرائق فى الإخوان يصرخون فى شباب وشابات بسطاء، أغلبهم تربى على السمع والطاعة، أو لا علاقة لهم بالسياسة وألعابها القذرة ومن ثم أمكن اقتيادهم بدغدغة المشاعر وأكاذيب الشرعية وحماية الدين، لا لشىء إلا لدفعهم إلى أتون معركة مجنونة غير متكافئة مع الأمن، دونما أى وجل أو خشية على حياتهم، فالمهم أن تحيا الجماعة وتغتنم السلطة، وليذهب الجميع إلى الجحيم طالما كانت القيادات فى مأمن..
  لتتواصل مآسى هؤلاء الشباب فى أرض العثمانيين الجدد، إذ ضاقت الدنيا من حولهم وتحولت إسطنبول الخلابة بطابعها الأوروبى وأجوائها الشرقية، إلى سجن خانق مقطر فى سبل العيش، بل وحتى فى العشش وأكواخ المهانة التى يقيمون فيها..
سقطت تمامًا أسطورة أن إسطنبول هى جنة شباب الإخوان.. صارت لعنة لكثيرين منهم ومن المتعاطفين مع تنظيمهم..
 
هم ليسوا طارق عبد الجابر، ولا حتى علاء عبد الصادق، أو غيرهما ممن وجدوا من يتعاطف معهم ويتدخل ليعودا إلى مصر، كما هو الحال مع الأول على الأقل، بحثًا عن الغفران الشعبى، ومن قبله الرسمى، بالتبرؤ من الإخوان وإعلان الكفر بالسياسة..
مصيبتهم أنهم بلا سند، حتى من جانب الجماعة التى تباكت عليهم ولا تزال، فقط من فوق المنصات وعبر الفضائيات وفى فضاء التواصل الاجتماعى..
القائمون على ماليات التنظيم، كأمينه العام محمود حسين، لم يترددوا غير مرة فى حرمان العشرات من الشباب الذى عاد إلى حظيرة التنظيم بعد عزل محمد مرسى وفض «رابعة» لمجرد أنه خرج على الجماعة يومًا ما.. تركوا الكثير منهم يتسولون الإقامة ولقمة العيش عقابًا لهم على هدر بيعة المرشد، رغم أنهم صاروا مطاردين أمنيا فى مصر وبعضهم صدرت ضدهم أحكام قضائية بالسجن..
 
هم منسيون حتى، وأنباء تحركات الجماعة والدولة نحو مصالحة مرتقبة تتصاعد من حين إلى آخر، بل غير مرئيين ولا أمل فى النظر إليهم، وفى المحصلة فقد صاروا فريسة سهلة وجاهزة لليأس المدمر أو لحزام ناسف محبط أو لكيانات الانتهازية السياسية الباحثة عن المظلومية فقط من فوق الجثث والأشلاء..
 
هذه دعوة لإعادة فتح ملف شبا «اتّاخد فى الرجلين»، فى أحداث ما بعد «30 يونيو» نقصد هنا من كانوا على هامش الصراع لا وقوده أو حجارته، لعل الحكم عليهم بعد فحص وتحرى كل حالة على حدة يكون لصالحهم لا ضدهم..
نرصد هنا قصة أربعة من هؤلاء الشباب، نستمع الى حكايتهم... قصة الهروب، وحلم العودة. بطبيعة الحال ستُروى الأحداث من منظورهم هم ووفق وجهات نطرهم، كما أن محاولة كل منهم الدفع فى اتجاه عدم انتمائه للإخوان، لا يمكن التأكد منها بشكل مطلق، بينما احتمالية أن يكون تبرؤهم التنظيمى كقشة للنجاة واردة أيضًا، ومن ثم فى الحقيقة الواحدة الثابتة أن جميع الأحداث التى تورطوا فيها ودفعتهم للهروب ارتبطت بعزل نظام الإخوان، ناهيك بفرارهم إلى البلد الأكثر مساندة للجماعة: تركيا، إنما يمثل دلالة لا يمكن إغفالها..
 
مصطفى.. وحلم الهندسة الضائع
 
مصطفى تَرَك حلم الهندسة بعد أن وشى به أحد جيرانه ليعمل فنيًّا فى قناة تليفزيونية بتركيا لا يكفى راتبها الإقامة فى كوخ متهالك

 

صورة توضح حالة البؤس التي يعيشها شباب الإخوان في تركيا
صورة توضح حالة البؤس التي يعيشها شباب الإخوان في تركيا

 

بجانب النصب التذكارى وسط ساحة «تقسيم» المنطقة الأشهر فى إسطنبول، كان اللقاء.. بدا مصطفى فى أول الأمر متوجسًا منى.

أخبرنى مصطفى أنه غادر مصر منذ ثلاثة أعوام بالتمام والكمال، كان حينها عمره 17 عاما لم يكن سوى طالب فى المرحلة النهائية من الثانوية العامة، كل طموحاته تنحصر فى كيفية الوصول إلى حلم كلية الهندسة.. ثم أكمل: كنت منهمكا تماما فى دروسى ومذاكرتى، ولم يكن لى علاقة بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد، حتى مات الشيخ الذى حفظنى القرآن منذ كنت صغيرا، وثلاثة من أصدقائى المقربين فى أحداث فض  اعتصام رابعه العدوية، ورغم ذلك لم أفكر إطلاقا فى النزول لمظاهرة واحدة فى الشارع، كل ما كنت أفعله أننى بت أكتب أسماءهم على الحوائط فى الشوارع كنت أشعر حينها أننى عاجز لا أستطيع أن أفعل شيئا غير ذلك!
ثم أكمل.. بعد صمت دام عدة دقائق وعيونه تغرغر بالدموع والذى حاول جاهدا أن يخفيها «أنا ماعملتش حاجة، والله ما عملت حاجة.. أنا بس كنت باكتب أسماءهم على الحيطة.. أنا مش إخوان»!

لم يرتكب مصطفى أى ذنب غير ذلك حتى بلغ عنه أحد جيرانه بتهمة أنه يكتب عبارات مسيئة إلى الشرطة والجيش فى الشوارع، ولكنه نجح فى الهروب منهم أثناء القبض عليه فى محاولة من أحد أمناء الشرطة ركله بإحدى قدميه  «بالشلوت» أطاحت به بعيدا! تمكن حينها بالإفلات منهم، ثم توجه إلى عمه فى الإسكندرية، عرف بعدها أن تم تحرير قضية ضده بتهمة «إهانة المؤسسة العسكرية والاعتداء على ضباط الشرطة أثناء القبض عليه»! فى  تلك الأثناء حاول والده أن يبحث عن ثغرة يخرجه بها من البلد حتى تمكن من مساعدته فى سفره إلى تركيا، ثم قال مصطفى إن إخوان تركيا هم من ساعدوه على أن يجد سكنا تابعا لهم بشكل مؤقت، ثم قال بنبرة يأس «أول حاجة كانت شاغلانى أول ماجيت إزاى هاخد آخر سنة فى الثانوية العامة وأدخل كلية الهندسة، حاولت بطرق كتير لكن مانفعش! وأخيرا بعد 6 شهور بدوّر فيهم على شغل بإيدى وسنانى، اشتغلت فى قناة كفنى براتب هزيل تماما لا يكفى حتى كإيجار لسكن بسيط». 

والآن وبعد أن تجاوز مصطفى عامه الواحد والعشرين بعيدا عن وطنه، علم أنْ تم تحرير قضية أخرى ضده بتهمة «حرق الممتلكات العامة والاعتداء على ضابط شرطة، وتم الحكم فيها بـ5 سنوات».

الحكاية القادمة: أنس عاش فى شقة متواضعة مع أكثر من 15 شابا بعضهم أخذ تركيا «ترانزيت» لأيام فى رحلة هروبه إلى اليونان

التعليقات