نفوق الأسماك.. من المسؤول عن إهدار كل تلك الثروة السمكية؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

 

- الظاهرة "دورية" وتحدث كل 6 أشهر في غياب تام للمسؤولين

- "الزراعة": لسنا جهة اختصاص ودورنا في الاستزراع السمكي فقط

- "الري": لسنا المذنبين وحدنا.. و"البيئة": 4 أسباب وراء ظاهرة النفوق

 

ظاهرة نصف سنوية تحدث بانتظام ولا سبيل لعلاجها، تلك التي تُهدر فيها مئات الأطنان من الأسماك في مسلسل لا تنتهي حلقاته من نزيف للثروة السمكية، وتتبادل الجهات الحكومية الاتهامات بالتسبب في "قتل ملايين الأسماك"، فيما لا تزال المشكلة مستمرة، في غياب تام للرقابة والتوعية من جانب الحكومة، ما تُعد جريمة في حق ثروة مصر السمكية والتي تُقدر بحسب تقارير رسمية بـ مليون ونصف طن.

وتُعتبر المنطقة المقابلة في نهر النيل بين محافظتي كفر الشيخ والبحيرة، هي أكثر المناطق التي تتعرض بصفة دورية لظاهرة نفوق الأسماك، ويُرجع خبراء البيئة ذلك إلى أن الطاقة الاستيعابية بنهاية أطراف فرع رشيد (أحد فرعي نهر النيل) محدودة للغاية نتيجة تلقي الفرع للمياه المحملة بالصرف الزراعي والصحي.

وزارة الزراعة وبالتحديد الهيئة العامة للثروة السمكية، تُلقي دائمًا بالاتهامات على وزارة البيئة، وتتهمها بأنها السبب وراء نفوق الأسماك بنهر النيل، وذلك نظرًا للتلوث الذي يصحب مخلفات المصانع الكبرى، التي تُلقي بعشوائية في نهر النيل، بينما تؤكد وزارة الدولة لشؤون البيئة، أن السبب الأساسي في نفوق الأسماك هو نقص منسوب الأكسجين نتيجة نقص منسوب المياه في نهر النيل، وأن وزارة الموارد المائية والري هي المنوط بها الحفاظ على منسوب المياه واستقراره.

من المسئول؟!

فما بين "الزراعة والري والبيئة" لا يُعرف المسؤول عن ظاهرة النفوق، وتتوه الإجابة وتتبخر الأسئلة، والحصيلة في كل مرة عشرات الأطنان النافقة من الأسماك وملايين الجنيهات المهدرة، ويأخذنا هذا التقرير للتعرف على بعض الحقائق وراء نفوق الأسماك في نهر النيل وتكرار هذه الظاهرة الخطيرة التي تتكرر بشكل دوري.

يقول اللواء حامد العقيلي، مدير الإدارة العامة لشرطة المسطحات البيئية، إن السبب الأساسي في نفوق الأسماك هو نقص الأوكسجين، وذلك لأن التلوث الموجود بنهر النيل يفوق التخيل والتصور، وإلقاء المخلفات العضوية الحية داخل النهر يُزيد من كثرة الطحالب الضارة التي تستنزف الأوكسجين بشكل مبالغ فيه، ما يؤدي في النهاية إلى وفاة الأسماك.

وطالب "العقيلي" في تصريح خاص لـ"اليوم الجديد"، أجهزة الوزارات المختصة "الزراعة والري والبيئة" بالتنسيق التام للحد من هذه الظاهرة التي تنتشر بشكل مفزع، مؤكدًا أن الفترة الماضية شهدت غياب التعاون نتيجة الظروف الأمنية والسياسية، محذرًا من خطورة تداعيات أزمة نفوق الأسماك من ارتفاع في أسعار الدواجن واللحوم.

 

 

البيئة: 4 أسباب وراء النفوق

وزارة الدولة لشؤون البيئة (أكثر الجهات لومًا في تكرار هذه الظاهرة)، سارعت إلي تبرير موقفها، فأعلنت في تقرير رسمي لها، أن ظاهرة نفوق الأسماك ترجع إلى 4 أسباب أساسية، أولها قيام أصحاب الأقفاص السمكية المخالفة بتغذية أنواع من الأسماك على الطحالب، ولزيادة المحتوى العضوي لنمو الطحالب يقوم أصحاب الأقفاص باستخدام "سَبْلة وكَنْسة" مزارع الدواجن، وينتج عن ذلك حمل عضوي كبير يؤدي إلى استنزاف الأكسجين الذائب في المياه، ما يسهم بدوره في نفوق الأسماك، علاوة على ممارسات أصحاب الأقفاص والتي من شأنها غمر الأقفاص إلى أعماق المجاري المائية لإخفائها عن أعين الأجهزة الرقابية التي تقوم بإزالة الأقفاص السمكية.

وأكدت الوزارة، أن السبب الثاني لنفوق الأسماك محاولة أصحاب الأقفاص للهروب من حملات الإزالة فيتم غمر الأقفاص إلى أعماق المجرى المائي، ونظراً لقلة الأكسجين الذائب فكلما زاد العمق تنفُق الأسماك، ما يشكل سببًا رئيسيًا للظاهرة.

أما السبب الثالث، فهو أن الطاقة الاستيعابية بنهاية أطراف فرع رشيد (أحد فرعي نهر النيل) محدودة للغاية نتيجة تلقي الفرع لمياه المصارف الرئيسية (الرهاوي، سبل، تلا) المحملة بالصرف الزراعي والصحي المعالج وغير المعالج، ما يجعل هذه المنطقة ذات هشاشة بيئية، ونظرًا للحمل العضوي الإضافي الناجم عن تكدس الأقفاص السمكية بشكل عشوائي، تحدث زيادة في نسبة تركيز الأمونيا الناجمة من تحلل المواد العضوية، خاصة البروتينية.

يضاف إلى ما سبق حلول موسم السدة الشتوية، الذي يؤدي لنقص كمية المياه المتدفقة بمنطقة حِبس النيل في المسافة المحصورة بين محافظتي كفر الشيخ والبحيرة، ما يعني زيادة تركيز الأمونيا ونقص الأكسجين الذائب في الماء.

الري: لسنا وحدنا المذنبين !

الطرف الثاني في هذه الظاهرة التي أخذت سنوات طويلة وتقف الحكومة عاجزة أمامها، هي وزارة الموارد المائية والري، والتي أكد علاء ياسين، مستشار وزيرها، أن الوزارة تفعل أقصى ما لديها للحفاظ على منسوب المياه في نهر النيل، لكنها تصطدم بقضايا قومية كسد النهضة، معتبرًا أن نقص المنسوب في مياه النيل لا تتحمل تبعاته وزارة الري بمفردها.

وأوضح ياسين في تصريح خاص إلى "اليوم الجديد"، أن وزارة الري عندما تلقت التقارير الخاصة بنفوق الأسماك بالبحيرة وكفر الشيخ، ضخت ما يقرب من 14 مليون م3 كل يوم في فرع رشيد من خلال قناطر الدلتا، وذلك بهدف زيادة نسبة الأوكسجين، مؤكدًا أن نقص الأوكسجين يلعب دورًا كبيرًا في نفوق الأسماك.

وأوضح أن وزارة الري لم تكتف بذلك بل قامت بفتح 10 بوابات من قناطر إدفينا الأمر الذي أدى بدوره إلى ارتفاع منسوب المياه بشكل كبير في فرع رشيد، وطبقًا لما رصدته وزارة البيئة فإن نسبة الأوكسجين الذائب في الماء ارتفع بشكل كبير عن المعدل المسموح به، وهو 6 جزء في المليون.

وأضاف "قامت محطات مياه الشرب القريبة من منطقة نفوق الأسماك بالمراجعة المستمرة لعينات مياه المأخذ والمخرج والتأكد من تطابق مياه المخرج مع المواصفات القياسية المصرية لمياه الشرب، وقامت المحطات بزيادة معدلات الكلور لخفض تركيزات الأمونيا".

وأوضح أن وزارة الري لم تكتف بذلك بل قامت بفتح 10 بوابات من قناطر إدفينا الأمر الذي أدي بدوره إلى ارتفاع منسوب المياه بشكل كبير في فرع رشيد، وطبقًا لما رصدته وزارة البيئة فإن نسبة الأوكسجين الذائب في الماء أرتفع بشكل كبير وعن المعدل المسموح به وهو 6 جزء في المليون.

وأضاف، كما قامت محطات مياه الشرب القريبة من منطقة نفوق الأسماك بالمراجعة المستمرة لعينات مياه المأخذ والمخرج والتأكد من تطابق مياه المخرج مع المواصفات القياسية المصرية لمياه الشرب، وقامت المحطات بزيادة معدلات الكلور لخفض تركيزات الأمونيا.

 

 

الزراعة: لسنا جهة اختصاص ودورنا "الاستزراع السمكي" فقط

وتقف وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بمنآى عن الأحداث، إذ تُلقي دائمًا المسؤولية على وزارتي الري والبيئة، وتتهمهما بالتسبب في هذه الكارثة، وأن دورها فقط هو "الاستزراع السمكي"، أما عن نفوق الأسماك بتلك الكميات فتؤكد الوزارة أن السبب الأساسي يرجع إلي "نقص الأوكسجين في الماء وارتفاع درجة الحرارة بالصيف إضافة إلي السدة الشتوية".

وفي السياق السابق، ذهب الدكتور محمد عبد الباقي، رئيس الهيئة العامة للثروة السمكية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، معتبرًا أن وزارة الزراعة ليست جهة اختصاص في هذه الظاهرة، لأن دورها هو الاستزراع السمكي، أما حماية نهر النيل وزيادة منسوب المياه وتقليل التلوث وغير ذلك فهي من اختصاص جهات حكومية أخرى.

وأكد عبد الباقي في تصريح مقتضب إلى "اليوم الجديد"، أنه على استعداد لتقديم كل ما لديه من معلومات تخص جهة اختصاصه (كمشروعات الاستزراع السمكي) للمساعدة في حل هذه الظاهرة، لافتًا إلى ضرورة الإسراع واتخاذ خطوة جادة منعًا للتكرار.

يشار إلى أن ظاهرة نفوق الأسماك تتكرر بمعدل سنوي مرتين، مرة في الشتاء ومرة أخرى في الصيف، فيما لم يتم حل هذه الظاهرة منذ عشرات السنين، ومؤخرًا شهدت محافظتا "البحيرة وكفر الشيخ"، وهما أكثر المحافظات تعرضًا لهذه الظاهرة، نفوق عشرات الأطنان من الأسماك قُدرت – حسب بيانات رسمية – بـ 46 طن أسماك نافقة بمحافظة البحيرة، و24 طن أسماك نافقة بمحافظة كفر الشيخ.

 

التعليقات