شاهد| 3 مشاهد تعكس حال المصريين: «البني آدم برخص التراب»

مشهد من فيلم الإرهاب والكباب
مشهد من فيلم الإرهاب والكباب

 

يمتلك صناع السينما، أحيانًا، نظرة توقعية لما يمكن أن تؤول إليه أوضاع المجتمع مستقبلًا، وبالطبع هي نظرة نابعة أصلًا من الواقع الذي يرونه، ويبنون عليه تنبؤات المستقبل.

وفي المشاهد التالية، لم يتنبأ القائمون على العمل الفني بالمستقبل بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنهم رصدوا واقعًا كان سئ، وظل مع الوقت يزداد سوءًا، مثل تفشي الفساد في المؤسسات وغلاء الأسعار وغيرها من المشاكل التي تمس المواطن، فصارت مشاهدهم، التي تم تصويرها منذ عشرات السنوات، أيقونات سينمائية عابرة للزمن، وبرغم اختلاف العصور، إلا إنها باتت وبشكل قوي معبرة عن الواقع الحالي.

عبدالفتاح القصري في «لو كنت غني» - 1942

يعكس من اسم الفيلم، حالة شخص فقير يُمني نفسه بأن يصبح غينًا، وحمل أول عمل سينمائي للكاتب الراحل، أبو السعود الإبياري، والذي صدر عام 1942، أي من 74 عامًا، مشهدًا لعبدالفتاح القصري، يتحدث فيه مع مديره عن اشتعال أسعار السلع.

الموظف: القوطة إللي كانت التمانية بقرش.. إنهاردة رطل الطماطم بخمسة تعريفة، اللحمة إللي كانت بأربعة ساغ.. إنهاردة بتمانية وبناكلها بكماشة، علبة السجاير إللي كانت بساغ.. بقيت بساغين ومن غير كبريت

يقاطعه مديره مبديًا ملله من الحديث: قصدك إيه يعني؟

الموظف: قصدي يعني أقول لسعاتك إنه ميصحش كل شئ يغلى تمنه والبني آدم بلا آفية يفضل زي ما هو.. لازم راخر يغلى مع السوق يرتفع شوية

المدير بعد تفكير: يعني عاوزين إيه؟

الموظف: يعني عايزين علاوة.. هو سعاتك متعرفش العلاوة؟ أع إل أوا علاوة.. زوادة غلاء معيشة.. سعاتك بلا آفية عينيك كلها نظر وشايف الحالة إللي إحنا فيها

المدير: مفيش علاوة ويللا على شغلك

التعريفة تساوي نصف قرش، والرطل هو مقدار أقل من النصف كيلو بجرامات قليلة، ما يبلغ 400 جرام مثلًا، والصاغ نفس قيمة القرش.

لم تختلف كثيرًا أوضاع الموظف البسيط عن ما هي عليه الآن؛ الأسعار في تزايد مستمرة ولا تلائمها المرتبات، في حين تقل قيمة المواطن مع الوقت، ولو كان "القصري" بيننا الآن، لخرج في مشهد قال فيه: "هو لسة البني آدم بلا آفية زي ماهو؟".

الفيلم كان من بطولة يحيى شاهين، بشارة واكيم، إحسان الجزايرلي، محمد الديب، سميرة كمال، ثريا حلمي، ومن إخراج هنري بركات.

 

 

عبدالعظيم عبدالحق في «الإرهاب والكباب» - 1992

تكاتف إبداع الكاتب وحيد حامد، مع أداء الممثل الراحل عبدالعظيم عبدالحق، في مشهد عظيم، أظهر القدرات الإخراجية النادرة لشريف عرفة، وفي لقطة لم تتجاوز الدقيقتين، أبرز عرفة مشكلات المجتمع الأساسية، من ازدحام وتكدس سكاني وبخث لقيمة المواطن وتضليله.

أحمد (عادل إمام): هو حضرتك بقالك كام سنة بتقرا الكلام دة؟

الراكب (عبدالعظيم عبدالحق): والله كتير يابني قريته وأنا تلميذ وقريته وأنا موظف وقريته وأنا عازب وقريته وأنا متجوز وعندي عيال وقريته وأنا بكامل صحتي وقريته وأنا بعيد عنك وعن السامعين عندي المرارة.. كله كلام يا ابني كلااااام

أحمد: أمال بتشتري الجرنان ليه طيب؟

الراكب: مرض ولعياذو بالله

أحمد: طب مفيش حاجة هترخص؟

الراكب وهو يشرع في النزول من الأتوبيس: حاجات كتيرة هترخص وتبقى بسعر التراب.. أنا وانت والأستاذ وحضراتكم أجمعين.. وسع يا سيدي وسع يا أخويا.

عن إذنك يا مدام.. يا مدام مبيقفوش بالعرض كدة في الأتوبيس وخصوصًا الستات.. الوقوف يا مدام لازم يبقى بالورب.

يضحك الجميع

الراكب منفعلًا: يا سلام عجبتكوا الهيافة أوي ولو في حاجة جد يبقى بوزكو شبرين جتكوا البلا فيكو وفي أيامكم.. وسع يا سيدي وسعوا يا بتوع معلش أهي أيام ومسيرها تخلص.. وسع يا سيدي.. دي أزايز الكازوزة واقفة مترصصة ومستريحة في صناديقها عنكم ولو حد ضغط عليها تفرقع.

الكمسري: أصلها متعبية جاز

الراكب: يا سلاااام وحضراتكم متعبيين إيه؟ لبن رايب! إللي لو اتساب يبقى جبنة قريش.. يا جُبنا ياللي صوتكم مايعلاش إلا في الفارغة.. خليكوا في إللي انتو فيه ربوا العيال وروقوا نفسكوا ليلة الخميس ويوم الجمعة اتوضوا وروحوا صلوا وكفاية عليكم الدعا ورا الإمام جتكم ستين نيلة

عبدالحق أصبح نادر الوجود بيننا الآن؛ هذا الصوت العالي القارئ لأحوال المواطن، الذي يقرأ الجورنال غير مقتنعًا بما يُذكر فيه، ومن شبّه وقفة "أزايز الكازوزة" في الصندوق، بإنها أكثر ارتياحًا من وقفتنا بـ"الورب" في زحمة المواصلات، كما أكمل دون قصد جملة عبدالفتاح القصري المذكورة في الأعلى، بشأ ارتفاع قيمة البني آدم، وكأنه يقول له: "البني آدم مش هيغلى ولا هيفضل زي ماهو.. لأ دة هيبقى رخص التراب".

عبدالحق لو كان موجود بيننا الآن لقال: "جالكم كلامي؟".

 

 

أحمد صيام في «جاءنا البيان التالي» - 2001

15 عامًا مرّت على فيلم "جاءنا البيان التالي"، لمحمد هنيدي والمخرج سعيد حامد، بالرغم أن الفيلم حديث نوعًا ما، إلا أنه رصده لمشاكل تأخر الزواج وقتها كان لامسًا للشباب بشكل كبير، وفي مشهد "النيو يير"، أحمد صيام كضيف شرف، بدور مواطن ذو ملامح بائسة وهموم كبيرة.

نادر (محمد هنيدي): ومعانا أحد المواطنين السهرانين وبنقوله كل سنة وحضرتك طيب.. ممكن تقولنا حضرتك رأس السنة بتمثلك إيه؟

صيام: راس سنة إيه وزفت إيه؟ انتو مش داريانين بالناس.. راس السنة المخفية بتاعتك دي بتفكرني إن أنا عندي 40 سنة ومفيش ست.

هنيدي: إيه يا أستاذ في إيه؟ في حاجة؟

صيام: مفيش أي حاجة.. عندي 40 سنة وعلى المعاش، اتخرجت من الجامعة وأنا عندي 24 سنة، طلعت على المعاش عندي 34 سنة، مفيش ست، مفيش حب، مفيش عيال، مفيش عربية.

هنيدي مقاطعًا وهو يجري: مفيش داعي!

يعكس المشهد مشكلات تأخر الزواج لدى الشباب، بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة إيجاد وظيفة، وهي مشاكل قائمة من 15 سنة مستمرة حتى الآن، بل في تزايد مستمر.

ولو ظهر صيام في نفس المشهد الآن: "راس السنة المخفية دي بتفكرني إن عندي 55 سنة ولسة مفيش ست برضو".

 

التعليقات