كاميرا «خان» ما زالت بعافيتها.. و«قبل زحمة الصيف» يكسر تابو السينما النظيفة

-من النسخة الورقية 
 
الرغبات تحرك أصحابها، والأحلام المكبوتة تدفع البشر للتصرف عكس ما هم معتادون فى الغالب، لو توافرت ظروف محددة تتغير طبيعتهم ويصبحون أشخاصا آخرين حتى لو لفترة صغيرة من الزمن، المعظم يعود بعدها لما كان عليه وما اعتاد.
«قبل زحمة الصيف».. فيلم جديد للكبير محمد خان يلتقط المشاعر والأحاسيس لمجموعة صغيرة من البشر طبق عليهم القاعدة ورصد رغباتهم ومتعهم الخاصة الصغيرة التى يسعون لها عندما تتاح الفرصة ويجدون المنفذ المناسب لذلك بعيدًا عن القيود الاجتماعية التى تمنع هذه الرغبات والأحلام من الظهور.
محمد خان نفسة كمخرج وفى كل أعماله السابقة وفيلمه الحالى «قبل زحمة الصيف» يرغب فى كسر التابو المجتمعى، أيا كان هذا التابو، عندما يجد مساحته والظروف المواتيه يصنع فيلما كالحلم يكسر وجهة النظر فى السائد والمفروض ويحلق بعيدًا بأقصى ما يستطيع خياله وحرفته كمخرج أن يحلق، ويسبح معه الجميع لهذا العالم الذى يصنعه. فيلم "خان" الأخير يضرب وبقوة ما يسمى «السينما النظيفة» التى تسعى لحشر أخلاقيات سمجة بالفن وتحميله بما ليس فيه، وكأن المحاولات لصنع فيلم جيد تقتضي أن يكون الفيلم خاليًا من القبلات وما يراه البعض أخلاقيا في الملبس وطريقة التصرف في الحياة العادية، وكأن القبلات والحرية فى اختيار الإنسان لملابسه ليست طبيعية بل يجب أن تخضع لقواعد صارمة لتظهر على الشاشة، ليبدأ مع مطلع الألفية الجديدة تابو جديد له أنصاره، يسعى خان كالعادة إلى تحطيمه.
لا تبحث عن حبكة درامية معتادة أو حدث جلل في الفيلم، أنت أمام أطفال في أجساد بالغين وجدوا فرصة لأن يتصرفوا على حريتهم ويجدوا أحلامهم التي ربما تكون لبعضهم ساذجة، يستغلون الظرف والقدر الذي جمعهم في هذا المكان في هذا التوقيت ليتحرروا. الدكتور يحيى، ماجد الكدواني، الهارب من مشكلة ضخمة في المستشفى التي يديرها لقرية سياحية ساحلية تملك زوجته شاليها فيها.
الملل يحيط بالطبيب المتصابي حتى يجد متعته في ملاطفة النساء عند هالة، هنا شيحة، السيدة الجميلة الهاربة من ضغط الحياة وأعباء الحياة ومسئولية تربية أولادها، إلى جنة الحب والاهتمام والشعور بأنوثتها التي تبحث عنها وتأمل في أن تجدها عند هشام، هاني المتناوى، الممثل المغمور الذي يبحث عن الشهرة وطريق المجد ويهرب من ضغط الفشل في تحقيق الحلم إلى أحضان العلاقات مع النساء ويستغلهن لإشباع رغباته، وبين كل هؤلاء يوجد جمعة، أحمد داوود، الشاب الخام الذى ينوب عن أخيه فى العمل داخل القرية هاربًا من شبح البطالة حالمًا بحياة جديدة يحقق فيها أحلامة البسيطة.
لا تبحث عن صراعات كبرى في مربع المشاعر والأحساسيس والأحلام الذى يحده الشخصيات الأربع، أنت أمام فلسفة شديدة البساطة لكنها فى الوقت ذاته عميقة جدا، تعرف على الشخصيات، ابحث بداخلك عن كم المشاعر والأحلام التى فقدتها بسبب المسئوليات والقيود المجتمعية، ستجد أن الشخصيات من لحم ودم مثلها مثل أى شخص يسير فى الشارع بمصر، ربما تراها ممله خاوية لكن السبب وراء ذلك ليس لأنها مملة، بل لأنها طبيعية وواقعية ومتكررة واعتدنا في الأفلام أن تكون الشخصيات مختلفة غريبة ومتفردة.
 
ابحث عن تمثيل أكثر من رائع، ليس فقط من أصحاب الشخصيات الأربع الرئيسية لكن أيضًا باقى ممثلى الفيلم حتى ضيوف الشرف منهم، لانا مشتاق والتحول الرهيب فى سلوك الشخصية التى تقدمها ماجدة أثناء فترة الرفاهية والنقاهه التى يرمز لها عنوان الفيلم واقتراب الزحام وعودة القيود المجتمعية التى تفرض عليها شكلا معينا يجب معه أن تكبح زمام زوجها يحيى وتتصرف بعنف بعد أن كانت متساهلة مع شطحاته الطفولية.
 
أوعن ماجد وداوود وهاني الذين يحملون عبئا أكبر من المعتاد على الممثل، نظرًا للطبيعة المختلفة فى بناء الفيلم الخالى من حدث صادم أو عقدة تستوجب حلا يحرك الشخصيات، مجرد أسبوع في حياتهم يمنحهم بعض القدرة على التحرر، لذلك العبء يقع عليهم فى الأساس لمنح الحوار حيوية مطلوبة بأدائهم، وجهد أكبر فى التحضير لانفعالات الشخصيات وجهد فى تنفيذها بدقة لأنها لو زادت على الحد أو قلّت سيقع كل شىء، وهو ما ألقى بالتبعية على المخرج، جهد وضع هذه الانفعالات والحركة والأداء الجسدي بكادرات وزاويا تدعم أداءهم، ومراقبة هذا الأداء أيضًا، لأن طبيعة الفيلم تعتمد عليه بشدة أكثر من اعتماد غيره من الأفلام عليها.
 
وابحث عن «ليال وطفة» وموسيقاها التصويرية التى كانت جزءًا من نسيج الفيلم فعلًا باختيارها لآلات بعينها لتعبر عن مشاعر فى لحظة صمت أو أداء حركى للممثل دون حوار، أو حتى للتعبير عن حالات المكان نفسه الذى جعل منه مدير التصوير فيكتور كريدى وكأنه كائن حى مثله مثل الممثلين يؤدى معهم بصورته المعتمدة قدر الإمكان على الإضاءة الطبيعية التى كثفت من حالة الشعور بمشاعر الشخصيات ومصائرهم مثلها مثل الموسيقى التصويرية، طرقات القرية الممهدة بالأحجار وسط الشاطئ والرمال على جانبيها، التى تغطس فيها قدم الدكتور يحيى ليتحدث مع هالة ويلاحقه فيكتور بالكاميرا ويرصد صعود قدمه من الرمل إلى الطريق الممهد ليذهب إلى زوجته .
 
ابحث عن العذوبة في خلق فيلم ممتع حقيقة يسبح عكس التيار الحالى، ومختلف حتى عن تيار التجديد الذى يسعى لتأسيسه شباب السينمائيين، يستمر بكلاسيكية وحرفة في التعبير عن قضايا قد تبدو شكليا صغيرة لكنها ضخمة إذا ما قيست بتأثيرها على المجتمع، ابحث عن فيلم يضم خبرات ومراحل عمرية مختلفه منسجمين معًا مقدمين عملا متوازنا ورائعا بشكل يبدو كالحلم وسط الكثير مما تُنتجه السينما المصرية في الوقت الحالي، ابحث عن محمد خان ورفاقه الذين صنعوا المختلف منذ البدايات وما زالوا قادرين حتى الآن على صنع المختلف.
التعليقات