في ذكرى مولد النبي الكريم.. جوانب غائبة من حياته عن المتعصبين

صورة ارشيفية

11/9/2019 11:34:20 AM
104
تقارير وتحقيقات

من النسخة الورقية

فى هذه الأيام تهل علينا نسائم الذكرى العطرة ليوم مولد أشرف وأطهر مولود وأنقى وأرقى وأصفى خلق الله، سيدنا محمد. والمسلمون فى كل مكان على وجه الأرض، ينظرون لهذه المناسبة نظرة إعزاز واحترام وتقدير، ويحرص كل منهم على الاحتفال بها والاحتفاء كل حسب فكره وثقافته وأحيانا عاطفته.

فالشيوخ فى المساجد يجعلون من هذا الحدث العظيم مناسبة لتناول سيرة النبى، كلٌّ حسب زاوية رؤيته وعلى مقدار معرفته، وللأسف الشديد قليل منهم من يتناول هذه السيرة من الزاوية أو الجانب الذى يستحق أن يتصدر قائمة الأولويات، فيما يتصل بحاضر ومستقبل هؤلاء المؤمنين، الذين آمنوا بهذا النبى الخاتم ورسالته التى لا تعرف أى نوع من أنواع الفصل بين الدين وبين الحياة، بل جاءت للمصالحة بينهما ولوصل ما انقطع.

وبخلاف الشيوخ هناك رجال التربية والتعليم بمدارسنا على اختلاف مراحلها ومستوياتها التعليمية، يواصلون عزفهم المتكرر على النغمة القديمة، وذلك من خلال الشكل التقليدى والمحفوظ  للاحتفال بهذا اليوم وأثناء " كلمات طابور الصباح" سواء كانت كلمات من المدرسين أو من الطلاب، والتى هى فى النهاية شديدة التقارب فى الشكل والمضمون، فالكل يعيش حالة من الطفولة  الفكرية والثقافية.

وهناك آخرون وبالأخص فى قرى وريف مصر، يفضلون الاحتفال بهذا اليوم عن طريق جمع الأهل والأقارب والأحباب فى "بيت العائلة الكبير"، حيث يقوم أحد الشيوخ بإنشاد ما لذَّ له وتيسر من مديح للنبى، وأثناء ذلك يصلى الحاضرون ويسلمون ويباركون على النبى صاحب الذكرى.. وفى الختام يقوم الشيخ المنشد أو صاحب البيت بتوزيع "الحلوى" على كل الحاضرين، وتكون هناك حالة من السرور والفرح والابتهاج عند الأطفال، الذين حضروا هذا الحفل الدينى الاجتماعى، والحقيقة أن هؤلاء الأطفال ببراءتهم المطبوعة  هم أجمل ما فى الليلة!

وغير أولئك وهؤلاء هناك كثيرون ممن حسنت نواياهم وساءت طرائق تفكيرهم، يرون أن هذا كله حرام فى حرام، وأن الاحتفال بيوم ميلاد النبى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وحجتهم فى ذلك أن النبى لم يكن يحتفل بعيد ميلاده، ناسين ومتجاهلين حقيقة  تواضع عليها الفقهاء وهى أن "الترك" ليس حجة ولا يعتبر دليلا شرعيا، بمعنى أن ترك النبى لعمل من الأعمال لا يعنى أن هذا العمل أو هذا الأمر منكر واقع فى دائرة الحرام، فإذا كان النبى قد ترك الاحتفال بيوم مولده وهذا حقه، فإن هذا الترك لا يمنعنا من أن نحتفى ونحتفل بهذا اليوم الذى هو عندنا من أعظم أيام الدنيا، فهذا أولا حقنا الذى نحرص على ممارسته محبة وتقديرا وتكريما لمن أنار الله الوجود بطلعته البهية.

أيا كان الأمر، فقد قررنا هنا فى «اليوم الجديد»، أن نحتفل بهذه الذكرى متناولين بعض ملامح فى حياة هذا النبى الكريم، للأسف قد غابت عن عقول وأفئدة أصحاب التدين الشكلى، الذين ظنوا أن للتدين شكلا خاصا وزيا معينا، وغاب عنهم أن الرحمة والتسامح والانفتاح هم جوهر هذا الدين وعمدان خيمته.

1- نبى الرحمة

من يقرأ سيرة النبى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويحيا بقلبه فى تفاصيلها، يستغرب حالة العبوس والتقطيب، وكذلك يستغرب تلك الطباع الحادة والعنيفة وتلك الغلظة والفظاظة التى يتلبس بها كثير من المتدينين الذين لا يكفون عن ادعاء أنهم ورثة هذا النبى وحملة لواء سنته!

كيف يكون هؤلاء متبعين لنبى تجلت فيه كل معانى الرحمة والإنسانية ووصفه رب العزة بأنه رحمة للعالمين، كان ولا يزال؟!

 

يقول لنا أنس بن مالك خادم رسول الله واصفا رحمته (ص) بالأطفال: "ما رأيت  أحدا كان أرحم بالعيال مِن رسول اللَّه"..

ويروى أنس كذلك أن رسول الله قال: "إِنِّى لأَدْخُلُ فِى الصَّلاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِى فَأَتَجَوَّزُ فِى صَلاتِى مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ".

ولك أن تتخيل أن هذا النبى لكريم صاحب الرسالة والمهمات والمسؤوليات الكبرى، كان  يفرغ من أوقاته ليلعب مع الأطفال، فهذا أسامة بن زيد يروى فيقول: كان رسول الله يأخذنى فيُقعِدنى على فخذه ويُقعِد الحسنَ على فخذه الآخر ثم يضمهما، ثم يقول: "اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّى أَرْحَمُهُمَا ".

وعندما جاءه أطفال شجعان  يوم أُحُدٍ يريدون الخروج معه للقتال، رفض وردّهم  لصغر سنهم، وكان منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدرى.. يمكنك أن تقارن هذا التصرف النبوى النبيل بما تقوم به داعش وغيرها من المنظمات الإرهابية من تجنيد للأطفال بعد عمليات غسيل مخ منحطة كى يشاركوا فى القتال وأحيانا ما يحدث هذا بالإكراه.

ومن الأطفال إلى الكبار، نراه صلى الله عليه وآله وسلم يوصينا بتوقير الكبير أيا كان لمجرد كبره "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا"، وعندما جاءه رجل يبايعه على الهجرة وأخبره أنه ترك والديه يبكيان، قال له (ص): "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما". إن بسمة تعلو شفاه أب كبير وتكسو وجه أم دامعة لا تقل فى قيمتها عند محمد النبى الإنسان عن قيمة الجهاد ورفع راية الإسلام.

ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنه لم يغتر يوما بكثرة طاعته وعبادته وهو أعظم العابدين، ولم يقف من العصاة والمذنبين موقف اللاعن المتألى، بل موقف الرؤوف الرحيم.

 

 تأملوا موقفه صلى الله عليه وآله وسلم مع النعيمان وكان رجلا يُضحِكُ النبى (ص) ويكثر من مداعبته، وكان النبى قد جلده لشربه(الخمر)، ثم جئ به مرة أخرى فجُلِدَ، فقال رجل من القوم: اللهم العَنْه، ما أكثر ما يُؤتَى به؟

وهنا ينهى النبى عن لعن هذا الرجل السكير، ويقول لمن حضر: لا تلعنوه، فو الله ما عَلِمْتُ إلا أنه يحب اللهَ ورسوله.

ما هذه العظمة! وما هذا الإشراق! إنه محمد النبى الإنسان الكريم، الذى لا يهدر الجوانب المضيئة فى حياة الناس، مهما كان ضعفهم ومهما كانت أخطاؤهم وتجاوزاتهم.

2- النبى ضد التعصب والتمذهب

فى كتابه الحكيم وبالتحديد فى سورة الأنعام نطالع الأمر الإلهى  داعيا النبى أن يهتف من أعماق قلبه: "قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين". فقط "أول المسلمين" هى الصفة التى خلعتها الآية على النبى وأمرته أن يتقلدها ويجاهر بها.. وقد التزم النبى بذلك، فحرص فى كل همسة من حياته على أن يحيا بين الناس كإنسان مسلم ونبى يوحى إليه ملخصا كل ذلك فى كلمته الخالدة "إنما أنا عبد الله ورسوله".

والقارئ الجيد للسيرة النبوية وأحداثها، يعرف أن حياة النبى لم تعرف أى  نوع من الانتماء أو التعصب إلا للإسلام، لم يغضب النبى لنفسه قط وهو المؤيد بالوحى والتمكين من الله عز وجل، ولم يتخذ من هذا التلقى من الله ذريعة للتعصب لنفسه وآرائه، فلم يكبت صوتا من حوله سائلا أو مستفسرا أو حتى معارضا.

كانت روحه كالأرض الطيبة لا تضيق أبدا بساكنيها سواء ممن أحسنوا إليها أو أساءوا.

كل هذه أشياء جعلت النبى أبعد الناس فكرة الانكفاء على النفس وعبادة الذات، ولا شك أن العناية الإلهية هى التى صاغت كل ذلك وشكلته، فعلى حد تعبير الشيخ محمد الغزالى: "إن الله ربى محمدا ليربى به العرب، وربى العرب بمحمد ليربى بهم الناس كافة". ولاشك أن النبى قام بما فرضه الله عليه، وأنه أنشأ من العرب المعزولين عن حضارات العالم أمة لا نظير لها فى سناء المعرفة وزكاة الأخلاق وشرف الحضارة.

ولاشك أيضا أننا لم نلتفت أساسا إلى ما فرضه الله علينا، فلم نوصل للناس القول كما وصله النبى  إلينا، ولم ننقل لهم الوحى كما نقلنا هو به.لماذا؟!     

لأن النبى كان انتماؤه فقط لله وهدفه مرضاته، أما حال بعض علمائنا ومشياخنا فانتماؤهم إما لأنفسهم أو لذواتهم أو لما قرره الأسلاف خوفا من أن يتهموا بمخالفتهم والحكم عليهم بالخطأ وعدم التوفيق، كان النبى لا يخشى فى الحق لومة لائم، أما هم فيجاملون الأشخاص والأفراد على حساب الحجج  الواضحة والحق الصراح، كان النبى يستند إلى نصوص القرآن الصادعة أما هم فيطوفون حول آراء الآباء الجاهزة، وكان النبى أولا وقبل أى شئ لا يفترض العصمة فى نفسه ويطالب من يناقشه بالحجة والبرهان "قل هاتوا برهانكم" أما هم فيفترضون فى القدماء العصمة والكمال، ويشهرون فى وجه كل وسائل أو باحث أو مجتهد سلاح الكفر والتشهير.

وفى زمن النبى، كان الناس يلجأون إليه فى معرفة أمور دينهم، أو إلى من يوجههم من قبله كسفراء إلى البلاد الأخرى، وفى كل الأحوال كان النبى فى ممارساته التعليمية بعيدا كل البعد عن التعصب والجمود والانغلاق، ويتضح ذلك فى أكثر من واقعة تكشف كل منها عن مكانة "الاجتهاد" عند النبى:

1- ففى كثير من الأحيان، كان النبى يباشر هذا الاجتهاد فى تنفيذه بعض النصوص، وفى بعض أمور الحياة كى يمنحها حكما شرعيا لم يتنزل به نص، فاستعمل القياس على القرآن مثلا فى تحريم الجمع بين الأختين، فحرم الرسول كذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها حسب ما أدركه من علة التحريم، وقال معللا قياسه هذا:

"إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم"..كما قاس أداء الحج عن الأم على أداء الدين الذى عليها.

  1. وإضافة إلى ذلك فقد دفع النبى أصحابه إلى الاجتهاد وشجعهم عليه، ففى القصة الشهيرة بعد غزوة الأحزاب، وفى فهم الصحابة للأمر الصادر منه إليهم "لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة" فبعضهم فهم من الأمر مجرد الإسراع فى الذهاب إلى بنى قريظة، وعليه فلا بأس أن يصلون العصر فى الطريق ويسرعون فى الوصول فصلوا، وبعضهم رأى أن ينفذوا الأمر حرفيا، فساروا حتى وصلوا فصلوا كظاهر النص، ولما علم الرسول ما حدث من الفريقين، أقر كل منهم على تصرفه.
  2. وحين أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن للقضاء، سأله: "بما تقضى؟"، قال: بكتاب الله، أجاب: فإن لم تجد؟ قال: بسُنة رسوله.. قال: فإن لم تجد؟ قال: "أجتهد رأيى ولا آلو"، أى لا أقصر. فسر رسول الله بذلك وقال: "الحمد  لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله"، وهكذا كان النبى فى تعليم أصحابه وتشجيعهم على أن يجتهدوا حين يغيبون عنه وعن نص أمامهم، وبذلك استطاعوا أن يواجهوا الحياة وما تطرحه من مشكلات بعد وفاته، والحقيقة أن الاجتهاد هو أفضل السبل للبعد عن طريق التعصب والتمذهب.

وبعد زمن النبى (ص) والصحابة، انقسم المسلمون فى زمن التابعين وتابعى التابعين إلى فرق ومذاهب كثيرة، مثل مذهب سفيان بن عينيه بمكة ومالك بن أنس بالمدينة ومذهب أبى حنيفة وسفيان الثورى بالكوفة والأوزاعى بالشام ومذهب الشافعى والليث بن سعد فى مصر ومذهب إسحاق بن راهوية أستاذ البخارى بنيسابور ومذهب أحمد بن حنبل وأبى ثور ببغداد، وغيرها.

إلا أن أكثر تلك المذاهب قد انقرض بين الناس وظلت آراء أصحابها مدونة فى بطون الكتب عند أهل السنة، وبقيت تلك المذاهب الأربعة المشهورة، وهى مذهب أبى حنيفة ومالك بن أنس والشافعى وابن حنبل.. وصارت هذه المذاهب هى المتبعة والمعتبرة عند أهل السنة فى كافة البلاد والأمصار، منذ أن أغلق باب الاجتهاد وحصر التقليد فيها منذ القرن الرابع الهجرى وإلى عصرنا الحاضر، وكان ذلك بفعل السياسة والخلفاء والسلاطين.

من المؤسف أن تقتل روح الاجتهاد لتسود روح التبعية والتقليد فى الوقت الذى اتفقت فيه أراء أغلب أعلام أهل السنة على عدم جواز تقليد الرجال فى دين الله.. والقراءة فى المصادر تؤكد ذلك وتقوية.. فهذا ابن القيم يورد فى مؤلفه الثمين " إعلام الموقعين عن رب العالمين" ثمانين دليلا على عدم جواز التقليد فى أحكام الله وعدم جواز الالتزام بإتباع واحد من أصحاب المذاهب وغيرهم..

وقد ذكر ابن القيم أن الأئمة الأربعة قد نهوا عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة.. فهذا أبو حنيفة يقول: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه... أما مالك فيقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا فى رأيى فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه..

وهذه مقولة الشافعى الخالدة: "رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب"، ومن بعده قال تلميذه أحمد بن حنبل: لا تقلدنى،لا تقلد مالكا ولا الشافعى وتعلم كما تعلمنا. أما الإمام ابن حزم فقد أكد بلهجة حادة وقاطعة: أن التقليد حرام.. ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله (ص) بلا برهان لقوله تعالى "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء".

وفى حسم الموضوع نهائيا يضيف ابن حزم: إن العجب ليطول ممن اختار أخذ أقوال إنسان بعينه لم تصحبه من الله عز وجل معجزة ولا ظهرت عليه آية ولا شهد الله له بالعصمة عن الخطأ ولا بالولاية.

هل يصح بعد كل هذا الكلام، أن نجد بيننا من يستميت ويستقتل فى الدفاع عن فكرة التمذهب ووجوب تقليد الأئمة فى كل ما قالوا به أو ذهبوا إليه ؟!

 

 

 

اليوم الجديد