أحياء يسترزقون على أعتاب القبور.. جولة داخل سوق مقابر السيدة عائشة

صورة أرشيفية

11/4/2019 6:51:44 PM
97
تقارير وتحقيقات

صاحب فرشة: بدوّر فى مقالب الزبالة وعربيات الخردة على البضاعة معلم تخلى عن التدريس وتفرّغ لبيع الخردة: اللى باخده بجنيه ببيعه بـ20 زبونة: الناس غلابة وبيشتروا أى حاجة رخيصة

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

فى أحد أحياء القاهرة القديمة، ووسط حالة من السكون فى شوارع امتزجت بأرواح الماضى والحاضر، سكن يمينها ويسارها مقابر تفوح برائحة الموت، يسودها سكون أهلها، لا يدبُّ بها حياة، إلى أن تسمع صوتا يكسر هدوء المكان، يدفعك إلى السير وراءه، شئ ما يجعلك تتقدم بلا خوف، لتجد نفسك وسط سوق اتخذ من حالة السكون مكانا لنشر ضجيجه، وربما لبيع بضائع خصصت للفقراء.

على أرصفة القبور

فى مقابر السيدة عائشة، والتى اتخذها التجار مكانا لبيع الروبابكيا والمخلفات المستخلصة من القامة، شئ من الدهشة يأخذك للدخول إلى عالم فضّل ساكنيه أن يمكثوا وسط الأموات، يعرضون بضائعهم على أرصفة القبور، لا شئ يهيبهم، تراها بنظرة بعيدة أشياء ثمينة ملقاة، إلى أن تصحبك خطواتك إليهم لتجد وجوه بسطاء ترقد على الأرض، تبحث عن شئ يلبى أغراضهم بسعر يتناسب مع إمكانيتهم المادية البسيطة.

 ما إن تنظر حولك لتجد بضائع على كل لون، منتقية من أكوام القمامة، يصل بعضها لأيدى البسطاء، والبعض الآخر لتجار اتخذوا من القمامة رزقا لهم.

إعادة تدوير وترميم

بوجه بسيط، وقف رجل ستينى حائرا يبحث عن شئ من مستنقع البضائع يصلح لإعادة تدويره، لكى يستطيع بيعه بثمن يتناسب مع قوت يومه، فعلى الرغم من كِبر سنه، إلا أنه طيلة سنواته فضّل العمل اليدوى، حبا فى إعادة تصنيع الأشياء التالفة من ناحية، وبحثا عن راحة البال من أذى الحرف والصناعات الأخرى.

من أكثر من 10 أعوام، ظل صاحب الـ60 عاما، يذهب كل أسبوع فى هذا المكان، يبحث عن أشياء جلبت من منافذ القمامة وعربات الروبابيكيا، بسعر يبدأ من جنيه واحد وحتى 10 جنيهات، ليعيد هو تدويرها بأقل الأشياء وإصلاح ما كان سببا فى إتلافها لتباع بـ50 جنيها أو أقل، قائلا: "المكان ده اكتشاف، كل ما طاب لك تجده بأدنى الأسعار".

صاحب الفرشة الصغيرة

"من الإبرة للصاروخ".. ربما وصف أقرب بما قاله أحد الباعة، محاولا جذب البسطاء إلى فرشته الصغيرة، ذات الألوان الزاهية والألعاب المحطمة، صيحات لفتت الأنظار له، فعلى الرغم من تشابه البضائع على أرصفة المقابر، إلا أنه تميز دون فى انتقاء الأشياء ذات الكفاءة العالية فى الإصلاح، وربما لا تحتاج سوى للمسات بسيطة، لتدب بداخلها الروح.

توارث صاحب الفرشة الصغيرة، تلك المهنة من أبيه، إثر اصطحابه معه منذ الصغر فى أسواق تشبه أسواق الثلاثاء والجمعة المتعارف عليهما عند البعض، إلى أن علم خفاياها وتذوق أسرار البحث عن أشياء بلا ثمن لبيعها بأسواق تخصص للغلابة، قائلا: "السوق بيتعمل مرتين فى الأسبوع، وفى الوقت ده بدور فى مقالب الزبالة وفى عربيات الخردة القديمة على بضائع تصلح لإعادة التدوير فبطلع بزرق أفضل".

مشاهد متكررة

"مفيش غير الطاسة دى يابني".. جملة قالتها سيدة فى عقدها الرابع، وملامح الحزن تبدو عليها بعد أن خاب أملها فى البحث عن "طاسة تيفال" لابنتها وسط عدد من أشياء المطبخ المستعملة، ليجيب البائع على سؤالها، قائلا: "ما انتى عارفة الحاجة بتيجى إزاى، أكيد لو كويسة مكنش أصحابها سابوها"، حالة من الضيق انتابتها بعد فشلها فى العثور على شئ تمنت هى جلبه لابنتها.

مشاهد عديدة كتبت بميثاق الفقر والجهد، لتروى حكايات أفراد تحت خط الفقر، يعتمدون على رزقهم من مخلفات الغير، دون شكوى أو ضجيج.

ففى مشهد آخر، ببنطلون جينز وتيشيرت بسيط، تجد سيدة فى عقدها الثالث، منحنية تبحث عن شنط على أحد الأرصفة، حاملة أعداد مهولة من حقائب لوثتها القمامة بأشكالها، مصطحبة معها طفليها، ذات الـ10 أعوام؛ ليبحثون عن ألعاب جديدة فى فرش أخرى بجوارها، وبسؤالها عن أسباب جمع هذه الأعداد، ابتسمت قائلة: "عارفة إنها من الزبالة، بس ده شغلى، كل جمعة بلف على الأسواق المتاح لها البيع بأقل ثمن، بس السوق ده الوحيد اللى بيجيب بضاعة يصلح غسلها وتلميعها بأبسط الأشياء، ومن ثم بيعها بسهولة".

"الناس غلابة، بيشتروا أى حاجة رخيصة".. جملة استكملت بها حديثها، معلنة أنه على الرغم من صعوبة التنظيف والإصلاح، إلا أن ربحها يدوم أسبوعين، ومن ثم تجلب صغارها مرة أخرى إلى السيدة عائشة للتسوق فى أسواقها.

أرباح سارية

بابتسامة بسيطة، يجلس صاحب الشعر الأبيض، وسط بضائعه ذات الألوان واللُعب الحديثة، يحاول إصلاح شئ أخذه من بائع الخردة بلا ثمن، ليبدأ هو ببشاشة وجه فى جذبك إلى فرشته البسيطة، مرددا "تعالى شوفى اللى تحبيه، كله نضيف".

"بحقائب مميزة، ولعب، وعُلب ألوان حديثة".. استطاع صاحب الشعر الأبيض من تميز بضائعه، أملا فى زيادة ربحه اليومى، وبسؤاله عن اعتماده التام على هذه البضائع كمصدر رزق له، أجاب قائلا: "دى الحاجة اللى بفهم فيها وأرباحها بسيطة بس معيشانى، مستكملا حديثه: "الناس مبقتش تقدّر قيمة الحاجة اللى معاها، أى تلف فيها بترميها، أنا أكيد مبعتمدتش عليها فقط، بس دى مصدر سارٍ لا ينقطع".

حلم ختم بفرشة

وفى مشهد آخر تجد رجلا يبدو من هيئته أنه من إحدى بلاد الصعيد، مصطحبا زوجته وأبناءه الثلاثة يجلسون على أحد أرصفة المقابر، ينظرون يدا تمد إلى فرشتهم تأخذ أشياء يودون بيعها، كانت المهام مقسمة عليهم، فقد تحضر زوجته بجانبه مشروبات ساخنة ويقوم أحد أبنائهم بتوصيل الطلب.

لم يكن مثله كمثل باقى البائعين، فقد اختلفت طريقة حديثة عن باقى الأشخاص المجاورين له، تراه يقرأ بشغف فى إحدى الصحف، يتعامل برقى، تحتوى عدته على أقلام قطع غيار مراوح، وولاعات منها السليم وغير السليم، وأكياس لصق عليها ورقة "صنع فى اليابان".

"أنا معلم لغة عربية قديم".. بهذه الجملة بدأ (مصطفى. أ) فى الحديث عن أمره، قائلا: "كنت مدرس عربى فى التسعينيات، وأهلى على قد ما عارفين قيمة العلم على قد ما رفضوا إنى أشتغل موظفا يتقاضى راتبه الضعيف كل شهر، حتى تركت الصعيد وذهبت إلى القاهرة، كمحاولة منى أن أبحث عن لقمة عيش لى ولزوجتى، حاولت طيلة السنين أن أعود إلى وظيفتى أو أعثر على أخرى ولكنى لم أجد، إلى أن عملت صبى يومى فى مكان غير آدمى كان يجبر العاملين معه بالعمل أكثر من 18 ساعة فى اليوم، حتى تركته.

واستكمل حديثه، مضيفا: كانت الوسيلة الوحيدة فى إخراجى من دائرة العمل بيومية غير مجزية، هى أن أعمل بيدى، إلى أن دلنى أحد على شراء بعض من الخردة الملقاة داخل عربات القمامة والروبابيكيا، وأعيد تصليحها أنا وأحد أبنائى، إلى أن وصل بينا الأمر إلى هنا.

وتابع: "دى المهنة الوحيدة اللى عرفت أعيش منها أنا وأولادى، اللى باخده بجنيه ببيعه بـ20 والغلابة كتير".

اليوم الجديد