العنف الأسري.. تربية للأبناء أم تدمير لشخصياتهم؟

صورة أرشيفية

10/30/2019 7:24:14 PM
157
تقارير وتحقيقات

محمود: ابنتى ألقت بنفسها من النافذة خوفا منى آية: علّمت طفلى دخول الحمام بـ«لسع الولاعة» محمود: أصبت بالتبول اللا إرادى بسبب ضرب زوجة أمى شاب: أمى كانت «تعضّنى» وتضربنى بالسكينة سما: والدى كان يكره البنات.. حرق ملابسى وسعى لتزويجى مبكرا

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

كتب: هدى مدبولى وكريم أحمد ومروة محيى الدين

العنف الأسرى سواء لفظى أو جسدى ظاهرة عاشت معنا طويلا، وجسدتها السينما المصرية فى العديد من أفلامها، إلا أنه مؤخرا تفاقم وبلغ ذروته، وبتنا نسمع عن أطفال تعرضوا لجرائم اغتصاب وقتل من أحد ذويهم.

ووفقا لآخر تقرير صادر عن «يونيسيف» عام 2016، وصلت نسبة العنف الجسدى للأطفال فى مصر لـ93%، يتعرضون للتعنيف الجسدى سواء عن طريق الأسر أو حتى دور الرعاية، أما العنف النفسى فأفاد التقرير أن 40 و50% من الأطفال فى مصر معرضين لهذا النوع من العنف، وفيما يخص العنف الجنسى للأطفال نتيجة للختان أو غيرها من العادات فبلغت نسبته 55%.

فى التحقيق التالى نتناول وقائع العنف الأسرى بين الأطفال، ونتحدث مع أسر اختارت العنف طريقة لتربية أبنائها، كما نتحدث إلى شباب تعرضوا فى طفولتهم للعنف؛ لنتعرف كيف أثر ذلك على شخصياتهم فى الكبر.

أسر اختارت العنف سبيلا للتربية

يقول محمود جاسم، 40 عاما، حاصل على شهادة دبلوم صنايع، إن تعليمه متوسط ولكنه مهتم جدا بتعليم أولاده، وهو ما دفعه لاستخدام العنف ضدهم أثناء المذاكرة، حيث أعد عصا غليظة ليثير الرعب فى نفوسهم؛ ظنا منه أنها الطريقة المثلى كى ينهوا فروضهم جيدا.

وروى جاسم خلال حديثه لـ«اليوم الجديد»، أنه ذات مرة أعطى ابنته، الطالبة بالصف الخامس الإبتدائى بعض الكلمات لحفظها وذهب ليؤدى صلاة العصر، ولخوف ابنته من العقاب ألقت نفسها من النافذة قبل عودته مما أصابها بكسر فى العمود الفقرى، معلقا: «اكتشفت إن العنف مش طريقة صحيحة، ومن بعدها بقيت أخاف أتكلم معاها».

وقالت هند جمال، 38 عاما، مطلقة وأم لثلاثة بنات، إن السبب الرئيسى لطلاقها هو أن زوجها كان يتعاطى المخدرات، وذات يوم عاد إلى المنزل فى منتصف الليل وهو شبه غائب عن الوعى فنام بجوار ابنته وحاول الاعتداء جنسيا عليها.

وأضافت، أنها صبرت كثيرا على أمل أن تتغير أحواله، ولكن بمجرد أن بلغ هذا الحد هددته بالخلع وفضح أمره إن لم يطلقها فوافق، ولكن بعد أن تنازلت له عن كافة حقوقها فى سبيل الحفاظ على بناتها.

وكشفت آية سيد، ربة منزل، عن طريقة عقابها لطفلها الذى يبلغ من العمر عامين و4 أشهر، قائلة: فى مرحلة خلع البامبرز كنت أهدده بالحرق بالولاعة، وذات مرة نفذت تهديدى ولسعته فى يده، ومن يومها وهو يخبرنى إذا أراد دخول الحمام.

وأضافت: «الموضوع أكيد أثر فى نفسيته خاصة وأنه أصبح خائفا من عمل حمام على نفسه، ودائما يقول لى «ماما أنتِ حرقتينى هنا» ويشير إلى يديه، فتألمت لألمه لكن كان لازم أقف بحزم عشان أنهى القصة دى».

شباب ترك العنف فى الطفولة بصمة فى نفوسهم

يقول محمود هشام، شاب فى الثلاثين من عمره، إنه كان يتعرض من زوجة والده للضرب المبرح فى صغره، حتى أنه كان يجد صعوبة فى النوم ليلا من شدة الألم، وظهرت عليه بعض العادات السيئة مثل التبول اللاإرادى، مشيرا إلى أنه حتى الآن يعانى من تلك المشاكل التى انعكست على شخصيته، فبات يشعر بضعف الشخصية ويعانى من عدم القدرة على تحمل المسؤولية والهروب من أى مشكلة تقابله.

ويروى (م. أ)، البالغ من العمر 21 عاما، ذكريات طفولته، قائلا، إن والدته كانت شديدة فى عقابه ما بين الضرب بالعصا أو «العضّ» أو بيد السكينة، وأحيانا كانت تحرقه فى يده بمعلقة ساخنة.

واستطرد: «لو حدثت مشادة بينى وبين أهلى، بردّ عليهم عادى، لا يفرق معى الحديث عن احترام الأب والأم؛ لأنهم لم يكونوا كذلك بالنسبة لى».

 وتقول سما، إنها نشأت فى أسرة مفككة فكان والدى يكره البنات ويرى أن مصيرها لـ«جوزها وأولادها» فهى ليست فى حاجة للتعليم أو الرياضة، وكان دائم التعنيف النفسى والجسدى لها، وبفضل والدتها مارست الكاراتيه وهى فى الرابعة من عمرها، فحلمت أن تصبح بطلة كبيرة إلا أنه فى ذات مرة خسرت إحدى البطولات فحرق لها ملابس الكاراتيه ومنعها من ممارسة اللعبة، قائلا« أنا قُلت البنت ما لهاش غير الجواز».

وأشارت إلى أنه بوصولها لمرحلة الجامعة رفض إلحاقها بها، وبدأ فى مساعى لتزويجها رغم عنها وعن والدتها التى انتفضت لذلك وانفصلت عنه.

أساتذة النفس: العنف متوارث بين الأجيال

فى هذا الصدد، تقول الدكتورة ولاء حسنى، أستاذ الطب النفسى، إن هناك أسرا تعتبر أن العنف هو الطريقة السليمة للتربية، وأن تتبع هذا الأسلوب من العنف هو الأنسب؛ لأنهم لا يعرفون غيره لأنهم تربوا على تلك الطريقة .

وأوضحت  فى تصريح خاص لـ«اليوم الجديد»، أن العنف يتنوع ما بين قول كلمات تؤذى الطفل كالسخرية من شأنه، أو تعرضه الدائم لحالة المقارنة بينه وبين أحد أقاربه أو أصدقائه، أو حتى فى تحجيم قدراته وهذا ما يُعرف «بالعنف اللفظى».

وأشارت إلى العنف الجسدى يكمن فى ضرب الطفل باستمرار، كما أن هناك عنفا غير مباشر«  «emotional abuseمن خلال الابتزاز العاطفى، وهو أخطر من العنف الجسدى لأنه يضع الطفل تحت التهديد الدائم، عبر العبارات المشروطة التى توحى له باختفاء أبويه التى تعنى له العلاقة الأساسية الآمنة فى هذه المرحلة من عمره والتى يبنى عليها كل علاقاته .

«نعالج الطفل بعلاج أسباب المشكلة»، بهذه العبارة بدأت الدكتورة ولاء شرح طرق العلاج التى يتم اتباعها مع الطفل لتحجيم تلك الظاهرة، مشيرة إلى ضرورة أن يتوفر له بيئة آمنة خالية من الإهانة التى يتعرض لها، وتخصيص عدة جلسات يمارس فيها بعض الألعاب، بالإضافة إلى جلسات الدعم النفسى والتى يعبر فيها الطفل عما بداخله.

وكشفت عن تخصيص ندوات ضمن برنامج «الإرشاد الأسرى» فى وزارة الصحة والعيادات الخاصة، مرة أسبوعيا تتعرف الأسر من خلالها كيفية التعامل مع الطفل بدء من ولادته، وكيفية تقويمه دون تعريضه لأى نوع من الإهانة.

اليوم الجديد