«طبيب أون لاين».. العالم الخفي للعلاج من وراء الشاشات

صورة أرشيفية

10/24/2019 4:58:23 PM
246
تقارير وتحقيقات

صفحات «بلا هوية» تقدم خدمات الدعم النفسى امرأة حاولت علاج صدمتها من زوجها.. فحاول الطبيب استغلالها أخبرها أن كلامها عن جسدها له علاقة بالعلاج استعانت بـ«لايف كوتش» لمساعدتها.. فأراد ابتزازها بصورها استشارى نفسى: باب خلفى للزيف لا تعترف نقابة الأطباء به خبير أمنى: إجراءات المباحث الإلكترونية صارمة فى هذا الأمر

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

أن تلجأ لطبيب نفسى أمر طبيعى، ولكن اللجوء إلى طبيب لم تره ولم تسمع عنه، هنا تكمن الأزمة، فما إن تجلس تتصفح مواقع التواصل الاجتماعى، يظهر أمامك منشور لفتاة تبحث عن طبيب نفسى "أون لاين"، لمساعدتها فى إيجاد حل للوسواس القهرى، الذى هدد نعيم حياتها، كان هذا المنشور بداية لـ«اليوم الجديد» لكشف الوجه الخفى لعالم الأون لاين.

"عالم الأكاذيب".. ربما هذا المسمى الأفضل لما وقعت فيه بعض الفتيات، واللاتى فجأة وقعن فى شرك "طبيب نفسى وهمى"، دشَّن صفحة على "فيسبوك"، لجذب فتيات وقعن تحت كابوس الهواجس، والمرض المزمن الذى يرفض الأهل الاعتراف به، لتدخل الفتاة وحدها فى دوامة لا تعرف بأى طريق تخرج منه، لا تدرى ما يحدث بداخلها، انتكاسات نفسية أم وحدة تعانى منها.

طريق لم يرَ النور، جعلها تلجأ لطرق إلكترونية، لاستعادة نفسها، فلم يبق لديها خيار سوى اللجوء لشخص يعيد توازن الحياة فى عينها مرة أخرى.

طبيب أون لاين

بأيدٍ مرتعشة وخطوات مترددة، بدأ التفكير ينهش عقلها شيئا فشيئا، إلى أن وصلت لحل يهدئ نار عقلها المشتعلة، لتبدأ فى كتابة منشور على أحد جروبات "فيسبوك"، تسأل فيه عن حل لما تعانى منه، دون تفكير مسبق فى اللجوء إلى طبيب نفسى، بدأت الأقاويل ترسم خطواتها الأولى لشئ مجهول، فتح فى أذهانها أبوابا من التفكير، حل سليم سينجدها مما هى فيه، بلا ذهاب له، بعد أن اقترح عليها عدد لا بأس منه فى اللجوء إلى طبيب نفسى ولكن "أون لاين".

لم يكن أمامها حل سوى اللجوء إليه، لا يعرفها ولا تعرفه، حل وسط لعلاج ما بها، فعلى الرغم من ثقل يدها عند إرسال ما تشعر به، بدأت فى وصف ما تشعر به، لأحد الأطباء النفسيين على مواقع التواصل الاجتماعى؛ أملا فى إخراجها من الدوامة التى لا تعرف كيف تخرج منها.

مصيدة الابتزاز

دقائق وبدأ الطبيب النفسى، فى محادثتها عما تعانى منه، بشكل طبى فى بداية الأمر، إلى أن اطمأنت له، وسرعان ما انقلب الحديث النفسى إلى الشق الجنسى، لتجد نفسها دون دراية تقع فى مصيدة الابتزاز، قاومت الشك بالابتعاد عن سؤاله، بسؤال آخر عن علاقة الجانب الجسدى بالنفسى، ليبدأ هو باستدراجها بواقع طبى، قائلا: "كلها مؤثرات بتأثر فيكى، يمكن نلاقى ثغرة نحل بها المشكلة".

حالة من الشك انتابتها، مع زيادة التساؤلات عن الشق الذى تجنبت فى بداية الأمر الاقتراب منه، قائلة: "أنت فاكرنى ساذجة؟!"، كلماتها قطعت ما ظل يكتبه ويشرحه، معلقة عما يقوله بـ"شكلك إنسان مستغل"، ليجيب هو: "أنا لو مستغل مكنتش دورت على كده على النت"، مستكملا حديثه بلهجة من السخرية: "أنا مش كده.. صدقينى زعلت".

تحت تأثير الانهيار

روى إحدى السيدات، فى عقدها الثانى، محاولتها التحدث مع أحد أفراد عائلتها بشأن الذهاب إلى طبيب نفسى يعالج ما رأته إثر استشهاد زوجها فى بداية زواجهما، لتجد رفضا واستياء شديدا من فكرة اللجوء إلى طبيب يحاول خروجها من حالة الاكتئاب المصاحبة لمحاولة قتل نفسها، لتبدأ دون وعى فى البحث على مواقع التواصل الاجتماعى لطبيب نفسى يجسد الشازلونج يحاول علاجها سرا دون علم أهلها، لتقع هى الأخرى فى محاولة الابتزاز لطبيب لا يعلم كيف يداوى مرضى الاكتئاب.

ففى البداية بدأت فى سرد ما شعرت به من ألم لا يفنى، ووجع لا يعرف مكان سواها، فبعد أن حاربت هى وزوجها سويا من أجل إتمام الزواج، تهدم كل شئ لحظة وصول خبر استشهاده، لتعيش سنة كاملة رافضة دخول النور لحياتها، إلى أن استعادت روحها وبدأت فى البحث عن طريق يخرجها من المغارة السوداء، حتى وصلت إلى طبيب لا يعلم للأمانة معنى، بعد أن حاول تذكيرها بزوجها عدة مرات لتظل فى لحظات انهيارها، ومن ثم بدأ التوجه إلى الجانب الجسدى محاولا ربطه بأسباب اكتئابها.

لحظات وبدأت هى فى استعادة وعيها، متسائلة ما العلاقة بينهما، ليواصل الآخر محاولاته لتأكيد أن غيابه لم يؤثر على الجانب النفسى فقط بل الجانب الجسدى، مستكملا حديثه: "أنه طبيب قادر على علاج الجانبين".

علامات الاستفهام

انتشرت فى الفترة الأخيرة صفحات عديدة، تحمل اسم طبيب نفسى على موقع التواصل الاجتماعى، "فيس بوك"، تحمل عبارات "الشازلونج والدعم النفسى"، دون التأكد من هوية أصحابها، فلا يخطر على بال أحد أن يسأل من يكون وراء الشاشة، يتحدث باسم الطبيب، وما مصلحته من معالجة المرضى.

وكثرت علامات الاستفهام حول هوية أشخاص كتبوا على صفحاتهم أنهم أطباء دون دليل أو تأكيد لمهنتهم، ما يعنى أن كل المتعاملين معه إنما يُقدمون على مخاطبة المجهول وبثه أدق أسرار حياتهم.

لايف كوتش على ما تُفرج

"لايف كوتش".. مصيدة جديدة، خليط بين التنمية البشرية والطب النفسى، لقب جديد، يوازى الطبيب النفسى، يحمل اسم "لايف كوتش لعلاج الصدمات والمشاكل النفسية"، لجأ العديد له، ربما لترتيب حياتهم ومواكبة الموضة، وربما للبعد عن مسمى الطبيب النفسى.

"لما بتعور وأشوف الدم برتاح".. بموس حاد واضطرابات نفسية، لجأت الضحية إلى القيام بأشياء لا تعلم سببها، فما إن تحاول استعادة كيانها، يدخل عالمها بمحاولات التضييق عليها، لتبدأ بدون وعى إحضار موس حاد، ثم تهم فى تشريح يدها.

لا تعلم ما بها، ولم تكن فى كامل وعيها، كل ما تتذكره صراخ أطفالها، الدافع الوحيد لها لمقاومة إيذاء نفسها، ورؤية الدم ينزف أمامها.

رحب الطبيب الوهمى بها، وطلب صورة من جرح يدها، لتبدأ هى فى تنفيذ طلبه، وإرسال صورة له، لم يتنظر طويلا، ليبدأ فى طلب صور أخرى لها، محددا أماكن بعينها، مسرعا فى محاولة السيطرة على عقلها، بمصطلحات طبية، فقبل أن تتحدث الضحية، طلب منها تنفيذ ما طلبه بشكل أعمى دون تفكير، محاولا استدراجها باقتلاع شخصيتها القديمة، قائلا: "إنتى حاليا لسه فى منطقة الشخصية القديمة ودى شخصية بنسميها منطقة الراحة، ولازم نقاوم فيها".

على الرغم من وجود فرق كبير بين "اللايف كوتش" والجلسات النفسية، فيتخصص اللايف كوتش فى تحديد أهداف الشخص ووضع خطط واضحة ومسار معتدل لحياته، لتتغير حياة الفرد تغيرا جوهريا، بعد أنا يبدأ الأول فى طرح أسئلة على الآخر للكشف عن جوانب جديدة فى حياته، فما هو إلا طريق للمساعدة، على عكس الجلسات النفسية التى تهتم بتشخيص حالة المريض منذ طفولته وحتى بداية المشكلة المتسببة فى مرضه النفسى، إلا أن يتم علاجه.

 وعلى الرغم من الاختلاف بين المهنتين إلا أن اختصار شخصين الطريق على أنفسهما لتدشين جروب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" يحمل اسم "للمشاركة والدعم النفسى وحل المشكلات الزوجية والنفسية" يحمل أكثر من 5 آلاف عضوة به، يلجأن لاستشارتهما إلا أن وقعن فى فخ الابتزاز والتحرش اللفظى.

بالرغم من وجود علامات استفهام مبهمة حول شخصين يدعيان أنهما أطباء متخصصين فى كل شيء، لم تجد نور، الفتاة ذات الـ27 عاما، حلا أمامها سوى البحث عن لايف كوتش أملا فى تغيير مجرى حياتها، وعلى الرغم من عدم اعترافها بالتعامل مع شخص خفى يتحدث خلف شاشات دون التواصل معه، إلا أن نشأتها فى محافظة الشرقية كانت عائقا أمام محاولة الذهاب إلى لايف كوتش بالقاهرة.

لم تجد أمامها شيئا سوى أن تطلب التحدث مع شخص منهما، ليبدأ الطبيب مجهول الهوية فى التحدث معها بشأن ما يعيق مجرى حياتها، ومن ثم يقطع حديثها بضرورة إرسال صورة لها؛ بحجة استعادة الثقة بنفسها، وحين أبت تحويل مسار جلسة الأون لاين لشات متداول عليه صور بدلا من خطط تصحيح مسار، لم يتم الرد عليها بعد ذلك.

غير معترف بها فى النقابة

قصص وحكايات أخرى، لم تكن الأولى ولا الأخيرة، فأصبح ابتزاز النفس البشرية من أسهل الطرق الممكنة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، مثلما أوضح استشارى الطب النفسى، إيهاب الخراط، لافتا إلى أن الاستشارات على مواقع التواصل الاجتماعى محدودة القيمة والفائدة، خاصة أن الشات لا يريح المرضى بأى شكل.

وأضاف «الخراط»، فى تصريح خاص لـ«اليوم الجديد»، أن العيادات الطبية على مواقع التواصل، غير قانونية، ولا معترف بها من قبل نقابة الأطباء، مشيرا إلى أنها فتحت بابا خفيا للراحة بقناع مزيف لا وجود له.

الجريمة قائمة لا مفر

ومن ناحية أخرى، قال الخبير الأمنى، مجدى بسيونى، إن استغلال الأطباء الوهميين، للمرضى النفسيين، يرجع إلى أنهم مغيبون عن الوعى.

وأضاف «بسيونى، فى تصريح خاص لـ«اليوم الجديد»، أن المباحث الإلكترونية ستتخذ إجراءات صارمة لتقليل الضرر على المواطنين، ولكن ستبقى الجريمة قائمة، لذا لابد من اتخاذ الحذر.

وأشار إلى أن النصيحة لا تجدى نفعها، فعلى الرغم من أن المريض النفسى ليس مجنونا، إلا أنه فى حالة إغماء تام، مستطردا: "لا مفر".

صفحات وهمية

وعلى الجانب الآخر، قال أمين سر لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالبرلمان، أحمد زيدان، إن قانون الجرائم الإلكترونية سيتم تطبيقه بالفعل لهذه الأسباب، ولكن لا جدوى من التحرك قبل حدوث الجريمة، لافتا إلى أن القانون مثله مثل الجريمة، لابد من حدوثها أولا، ومن ثم التحرك.

وأضاف «زيدان» فى تصريح خاص لـ«اليوم الجديد»، أن قانون "مكافحة جرائم تقنية المعلومات" سيتم من خلاله تقييد الجرائم، والصفحات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعى.

اليوم الجديد