الانقراض يهدد «سلاحف مصر»

صورة أرشيفية

10/22/2019 7:30:42 PM
265
تقارير وتحقيقات

بيزنس السلاحف مستمر.. و«القائمة الحمراء» لم تحميها المحلات تبيع الأنواع المحظورة بكميات وفيرة خبير بيئة: السلاحف فى طريقها للانقراض لأنها كائن حساس «القائمة الحمراء»

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

كتبت: هالة عبد الصمد وإيمان منير

ما يعلمه المصريون عن السلاحف، أنها حيوان أليف يمكن تربيته فى المنزل، ودائما يقبل الأطفال على تربيتها دون أن يعلموا أنها معرضة لأخطار الانقراض، وللأسف بعض من يتاجرون فيها لا يعلمون أنواعها، والكارثة التى ستتحقق إذا استمرت هذه التجارة دون ضوابط، فلا يهمهم سوى المكسب المادى، وفى المقابل هناك من يستخدم السلاحف فى الدجل والشعوذة، وهو سبب كبير فى الصيد الجائر لهذه الحيوانات، وهو ما جعلنا نقرر فتح هذا الملف؛ للتوعية بخطورة الصيد الجائر لها، والإتجار فيها دون وعي؛ خوفا على انقراض بعض السلالات.

 

انتشرت فى الفترة الأخيرة "موضة" تربية السلاحف فى المنزل وشجع الأهالى على شرائها لأطفالهم، سعرها الزهيد مقارنة ببقية الحيوانات الأليفة الأخرى والتى يتعدى ثمنها آلاف الجنيهات، واستغل التجار ذلك فأصبحوا يروجون لها، من خلال صفحات التواصل الاجتماعى أو محلات بيع الحيوانات المتخصصة بكميات كبيرة وأنواع قد تكون مهددة بالانقراض.

وأكد أحمد عبد الواحد، مستشار وخبير بيئة الصحراء المصرية، أن السلحفاة المائية الخضراء من الأنواع المحظور تداولها بشكل عام فى الأسواق؛ سواء كانت الترسة البحرية أو الخضراء، وذلك إلى جانب الأنواع الصحراوية، مضيفا أن جميع السلاحف فى طريقها إلى الانقراض؛ لأنها كائن حساس تجاه التلوث.

وحدد «عبد الواحد»، خلال تصريحات خاصة لـ«اليوم الجديد»، وضع السلاحف المصرية من القائمة الحمراء الدولية للأنواع المهددة بالانقراض لعام 2019، وجاءت بالترتيب بالأشد خطورة ضد الانقراض، كالآتى: "السلحفاة المصرية، سلحفاة سيناء، ترسة كبيرة الرأس، السلحفاة الصقر، السلحفاة الخضراء، ترسة زيتونية حمراء، ترسة ناعمة".

 وأضاف مستشار الصحراء المصرية: كل دول العالم تبذل جهودا للحفاظ على سلامة السلاحف البحرية بصفة خاصة لأنها دليل سلامة المياه؛ أما النوع البرى لا يولونه اهتماما أو حماية، رغم ضرورته لتوازن البيئة ودورة الحياة الطبيعية، وذلك نظرا لاهتمام الدول الأوروبية والبحر المتوسط بالحيوانات المهاجرة ومنها السلاحف وإهمال بالحيوانات الصحراوية؛ مع إن مصر دولة صحراوية الأصل سواء الصحراء الشرقية وسيناء".

وشدد أن هناك شبه انقراض لحيوانات عديدة من البيئة المصرية، مثل الغزال المصرى والسلاحف بعدما كانت منتشرة بشكل واسع؛ حيث إن بيعها يعتبر جريمة يجب المعاقبة عليها.

وتابع مستشار الصحراء المصرية: لدينا مشكلة فى العقوبات الواقعة على تجار السلاحف؛ فهى بسيطة للغاية، حيث تتم مصادرتها فقط من خلال المطارات والموانئ مع دفع غرامة مالية رمزية لا قيمة لها دون المسائلة القانونية.

واستنكر «عبد الواحد» الطريقة التى يصطاد بها التجار السلاحف سواء من الصحراء أو البحر والتى تفتقد الإنسانية، مشيرا إلى أنهم يبخسون بثمنها الأرض؛ حيث أنها يتم تصديرها بطريقة شرعية ومدروسة للدول الآسيوية التى تتناولها كغذاء بأسعار تصل لـ 500 دولار للسلحفاة الصحراوية الواحدة، أما التجار فيسرقونها من بيئتها لبيعها بـ200 جنيه أو أقل.

كما نوه أن السلاحف الصحراوية المصرية التى يتم صيدها وتربيتها فى المنزل يتوقف تكاثرها نتيجة لعدم تواجد الذكر والأنثى فى مكان مشترك مثلما كانت طبيعتهم فى الصحراء، لافتا إلى أن هناك صيدا يتم لإجراء التجارب العلمية، وفى تلك الحالة يتم عمل تلقيح مجهرى للسلاحف داخل المعامل فتتكاثر بطريقة صناعية.

وأشار إلى أن الزواحف عندها قوة لمقاومة عوامل المناخ؛ فحتى عند وصولها لدرجة التجمد تعود مرة أخرى للحياة بعد مرور عشرات السنوات، وفى حين تعرضها للحرارة المرتفعة تحفر فى الرمال للاختباء داخلها، لذلك حين انتقالها من بيئتها الطبيعية يصعب التكيف بها لعدم قدرتها على حماية نفسها مما يجعلها تفقد حياتها بشكل سريع.

فى حين حذر من خطورة صيد الترسة البحرية والتى يعتقد بعض الأشخاص ممن يقطنون المحافظات الساحلية أنها تعالج العقم وتمنحهم القوة، فيذبحونها ويشربون دماءها، لافتا إلى أن تلك النوع يقضى على مشكلة كبيرة تعانى منها السواحل المصرية بسبب نقص السلاحف البحرية وهى قنديل البحر، فحينما ركبوا كاميرات وتعقبوا طريقة غذائها وجدوا أنها لا تقتصر فقط على الطحالب الخضراء والنباتات الخضراء كطعامها الأساسى، بل تعتمد على قنديل البحر، ولذلك نجد خلال الفترة الأخيرة مشكلة قناديل البحر على شواطئ البحر المتوسط بسبب نقص السلاحف.

الأنواع المحظورة تُباع بالمحلات

تواصلت «اليوم الجديد» مع عددٍ من تجار السلاحف؛ بهدف السؤال عن توافر بعض الأنواع المحظور تداولها، وكانت الصدمة عند تواجد كميات وفيرة منها وبأسعار بسيطة للغاية يحثون بها الأهالى لشرائها لأطفالهم كونها كائنا أليفا يلعب معه الطفل دون أن يحدث فوضى فى المكان كبقية الحيوانات الأليفة الأخرى.

"سلحفاة برية عمرها 13 عاما سعرها 280 جنيها، سلحفاة برية صحراوية آكلة الخضروات 280 جنيها، سلاحف صحراوى برى نظيفة بسعر 300 جنيه".. بتلك الأسعار بدأ تاجر للسلاحف البرية والصحراوية على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" المنشور الترويجى للأنواع المتوفرة لديه، والتى تطابقت أنواع منها مع القائمة الحمراء للسلاحف المهددة بالانقراض والمحظور تداولها دوليا.

وأكد أحد التجار المتخصصين فى بيع السلاحف المصرى الصحراوى عن توافر كميات كبيرة لديه من تلك النوع، وذلك عند إخباره بالرغبة فى شرائها بغرض البيع القطاعى داخل محل لبيع الحيوانات الأليفة وليس للتربية بالمنزل.

وقال التاجر إن هناك أسعارا خاصة للجملة، وتحدد حسب الكمية المطلوبة منه، فتراوح سعر السلحفاة المصرى لديه بالجملة ما بين 50 إلى 70 جنيها.

دم السلاحف البحرية يجذب الحبيب ويعالج الضعف الجنسى والعقم

 

فى التاسع عشر من أغسطس من العام الجارى، أصدرت إحدى الجمعيات المهتمة بالبيئة البحرية، بيانا تطالب فيه بالوصول إلى شخص قام باصطياد سلحفاة بحرية، ممنوع ومحرم اصطيادها، مؤكدة أن مصر تكفل حمايتها بيئيا من التهديدات والصيد الجائر؛ لأنها مُهددة بالانقراض.

وأضاف البيان، أن الجمعية تلقت العديد من الرسائل بشأن هذا الشخص الممسك بالسلحفاء البحرية، وهى مُدرجة فى الملحق الثانى من اتفاقية التجارة الدولية للكائنات المهددة بخطر الانقراض، وتتصدر قائمة الكائنات المحمية بموجب القانون المصرى والعديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

تواصلت «اليوم الجديد» مع هذا الشخص والذى يُدعى عاطف كامل، والذى لم ينكر أو ينفِ اصطياد السلحفاة البحرية، مشيرا إلى أنه قام باصطيادها من أحد شواطئ البحر الأحمر، ولكنه لم يعرف ما الذى سيفعله بها.

وأضاف كامل فى تصريح خاص لـ«اليوم الجديد»، أن كثيرا من الأشخاص عرضوا عليه بيعها فى الأسواق؛ لأن كثيرا من الناس يريدون شرب دمها؛ لأنها تُعالج الضعف الجنسى وتجلب الزوج والحبيب وتعالج بعض الأمراض الشعبية التى يعانى منها المصريين، وبالفعل فكر فى ذلك، مؤكدا أن أحد الأشخاص عرض عليه شراءها 2000 جنيه، ولكن إحدى المنظمات المهتمات بهذا النوع من الحيوانات استطاعت إعادة السلحفاة إلى بيئتها الطبيعية بالبحر الأحمر.

تقول مى جودة، رئيس فريق الإسكندرية لإنقاذ السلاحف البحرية، إن السلاحف تخرج فى شباك الصيادين أثناء عملية الصيد، وبعد ذلك يقومون ببيعها على الرغم بمعرفتهم بأنها ممنوعة ويجب أن تبقى فى مكانها الطبيعى، ولكن معظمهم يعتبرونها رزقا ويجب الاستفادة منها.

وتشير رئيس فريق الإسكندرية لإنقاذ السلاحف فى تصريح خاص لـ«اليوم الجديد»، إلى أن أسباب الإقبال عل شرائها كثيرة، ومنها اعتقاد المواطنين بأنها تعالج الضعف الجنسى أو زيادة الوزن وعلاج النحافة، فيشرب دمها ساخنا بعد أن تذبح ويصل سعر كوب الدم الواحد 300 جنيه.

بالإضافة إلى علاج العقم وعدم الانجاب، فكثيرا من السيدات يلجأن لها عن طريق الدجالين والمشعوذين، بالإضافة إلى استخدام أجزاء منها مثل الغطاء وطحنه واستعمال البودرة فى أعمال الدجل والشعوذة، بالإضافة إلى بيع لحمها بأسعار غالية جدا.

وأكدت "جودة"، أن الفريق يقوم بكثير من حملات التوعية للمواطنين بالتعاون مع جهاز شئون البيئة، فالفريق هو أول من ألقى الضوء على مشكلة السلاحف وأهميتها وخطورة انقراضها والمشاكل التى تتعرض لها، وهو أول من حرر محاضر ضد التجار، وأنقذ السلاحف من الأسواق، وهو أيضا أول من قام بالتوعية عنها.

وأوضحت أن الفريق يقوم بحملات تفتيش مع فرع جهاز شئون البيئة بالإسكندرية، بالإضافة إلى اهتمامهم بالبلاغات التى تصل إليهم. ثم بعد ذلك يقومون بتوقيع العقوبات.

وأكدت رئيس فريق الإسكندرية لإنقاذ السلاحف، أنه بسبب اهتمام جهاز شئون البيئة بالإسكندرية، لا يضطر الفريق لشراء السلاحف من الأسواق، ولكن فى الأماكن الأخرى يتم شراؤها؛ حتى يستطيعون إنقاذها.

وأضافت "مى" أن فريقها أطلق 33 سلحفاة فى ثلاث سنوات، ولكن فى الفترة الأخيرة معظم السلاحف التى تم اصطيادها ليس بسبب بيعهم ولكن بسبب المشاكل الصحية التى يعانون منها، بسبب ابتلاع بعض الأشياء أو الإصابات والحوادث؛ لأن التجارة فى الفترة الأخيرة انعدمت تقريبا بسبب التوعية والتعاون مع البيئة وأجهزة الشرطة فى حملات توعية للمواطنين والتجار.

محمد كامل، صياد وتاجر، يبلغ من العمر 45 عاما، قال لـ «اليوم الجديد» إنه قام كثيرا بشرب دماء السلحفاة لعلاج الضعف الجنسى، ولكنه لم يضره أو ينفعه فى شيء.

25 عاما مروا على زواج محمد ولم ينجب، فيقول "كثير من الناس نصحوا زوجتى بأن تشرب هى أيضا دماء السلحفاة وتناول لحمها باستمرار، وهذا ما فعلته بالفعل، ولكن لم يأت بنتيجة، فرغم كل تلك السنوات واستمرارنا على شرب دماء السلاحف وأكلها إلا أننا لم نرزق بأطفال". فأيقنت بأنها مجرد دجل وشعوذة فقط.

ويُضيف أنه بعد ذلك توجه هو زوجته إلى أطباء لاكتشاف المشكلة الطبية التى يعانون منها، والتى لا تجعلهما قادرين على الإنجاب، واتضح أنه لا يعانى من شيء، فقط مسألة "قسمة ونصيب".

أما وفقا لقانون البيئة المصرى، فإنه يجرم عملية اصطياد وبيع وإتجار السلاحف المصرية، بالإضافة إلى أن مصر وقعت على كل الاتفاقيات الدولية التى تحرم صيد السلاحف البحرية حفاظا عليها من الانقراض، مثل اتفاقية "السايتس" عام 1975، التى تحرم الإتجار بالحيوانات المهددة بالانقراض.

عبد الفتاح أحمد، صياد آخر، يقول لـ«اليوم الجديد» إنه كان قديما مُعتادا على اصطياد السلاحف البحرية، ولكنه لم يجرؤ على تناول لحمها أو دمها، مضيفا "أن معظم زبائنه من السيدات اللاتى يردن شراء الدم إما لهن أو لأزواجهن، وأيضا بعض السيدات يعشقن لحوم الترسة والتى أقوم ببيعها بـ 200 جنيه".

 يقول الشيخ سالم عبد الجليل، وكيل أول الأوقاف السابق، إن شرب دماء الترسة لأسباب الحمل أو الشعف الجنسى أو زيادة الوزن أو علاج العنوسة ما هو إلا دجل وشعوذة، وهو حرام شرعا. فقال الله تعال "حرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير".

وأضاف "عبد الجليل"، أن الأضرار الناجمة عن شرب الدم كبيرة جدا؛ نظرا لاحتوائه على العديد من الجراثيم، مشيرا إلى أن الدم شديد السُمية وتناوله يؤدى النفس؛ نظرا لأنه يحتوى على غاز ثانى أكسد الكربون بنسبة كبيرة وهو غاز قاتل وسام.

ويضيف لا جدال فى حُرمة تناول الدم، مستشهدا بآية الله تعالى فى سورة الأنعام "قُلْ لا أَجِدُ فِى مَا أُوحِى إِلَى مُحَرَّما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَة أَوْ دَما مَسْفُوحا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ".

اليوم الجديد