في اليوم العالمى للصحة النفسية.. «العباسية» تعالج مرضاها بالسيكودراما

10/22/2019 6:56:23 PM
127
تقارير وتحقيقات

أخصائية نفسية: نوع جديد من العلاج يجمع بين الدراما وعلم النفس «إيهاب الشيوى».. مطرب لبنانى ترك الحفلات وتفرغ لإسعاد المرضى سامية.. قضت 17 عاما من عمرها بالمستشفى بسبب «جنون العظمة» تربوية: العلاج بالفن يُكسب مريض الإدمان ثقة بالنفس

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

تصوير- حمزة دياب

يحتفل العالم فى العاشر من أكتوبر كل عام باليوم العالمى للصحة النفسية "World Mental Health Day"، حيث يعتبر هذا اليوم فرصة لتسليط الضوء على قضايا الصحة النفسية، وبالرغم من مرور 27 عاما على احتفال العالم به دون مشاركة مصر، إلا أن مستشفى العباسية للأمراض النفسية قررت إقامة احتفالية هذا العام، وأن يكون أساسها هم المرضى أنفسهم، ليقوموا بأداء كل فقرات الحفل.

استغلت «اليوم الجديد» الحدث لتتقرب أكثر من هذا العالم، ولتفتح أبوابه أمام الجميع ليشاهدوا كيف ستكون أول احتفالية باليوم العالمى للصحة النفسية فى مصر، وكيف سيشارك المرضى فى هذا اليوم.

ورشة العلاج بالفن

بمجرد دخول المستشفى الساعة الرابعة عصرا وجدنا الهدوء يسود المكان، ولا وجود سوى للأمن وعمال النظافة الذين كان دورهم واضحا فى المستشفى، وعنابر المرضى لا ينبعث منها أصوات صاخبة عكس المتوقع، إلى أن وصلنا للمسرح وهو مكان إقامة الحفل، والذى كانت أمامه منعقدة ورشة العلاج بالفن، بحضور مجموعة من فتيات كليات التربية الفنية وعلم النفس، واللاتى يقُمن بعمل ورش العلاج بالفن، ملتفين حول طاولات بها لوحات وألوان، وبينهم عدد من المرضى، وكانت هناك أيضا عدد من الطاولات الممتلئة بمنتجات يدوية صنعها المرضى.

كان اللقاء الأول بإحدى هؤلاء الفتيات وتدعى آية فوزى، أخصائية التربية الخاصة والعلاج بالفن، قالت: "هذه ليست أول ورشة علاج بالفن لنا هنا، وقد كان هناك عدة ورش سابقة مع مرضى الفصام والاكتئاب والاضطرابات السلوكية، وهذا النوع من العلاج هو أحدث الطرق العلاجية للعلاج النفسى مثل السيكودراما وغيرها من المجالات، والتي يتم اللجوء فيها إلى استخدام كل مجالات الفنون التشكيلية من نحت ورسم وطباعة وخزف وغيرها، وهى شئ مهم جدا للصحة النفسية، فحتى مجرد الشخبطة التى يقوم بها المرضى نقوم بتحليلها لأنها تكون نابعة من اللاشعور لديهم؛ وبناء على ذلك نحدد هل الورش التى ستقام مع المريض بعد ذلك ستكون علاجية أم تنفيسية فقط. 

وأوضحت لنا الدكتورة شيرين دحروج أخصائية نفسية بالمستشفى، أن السيكودراما هى نوع من أنواع العلاج النفسى يجمع بين الدراما ومختلف الفنون وبين علم النفس.

فيما أضافت آية، أن هذا النوع من العلاج مناسب لكل أنواع المرضى لكن فى مرحلة معينة، تكون بالتنسيق مع الطبيب المعالج، فمثلا مريض الإدمان لا يمكن التعامل معه فى بداية العلاج، لكن فى فترة التعافى ممكن أن نُدخل العلاج بالفن، والذى بدوره سوف يملأ وقته ويشعره بثقة النفس، خاصة عندما يجد نفسه يصنع منتجات معينة ويبيعها، وكل هذا يحسن من حالتهم النفسية، فلا يكونون مجرد مرضى جالسين فى العنابر يتلقون الأدوية فقط.

سامية..17 عاما مع البارانويا

بوجه مبتسم وروح هادئة وثقة عالية أخذت سامية، إحدى المريضات المشاركات فى الورشة، ترسم بكل حماس قلوبا حمراء وتكتب عبارات مثل "happy new year" و"بنحب كل خير"، وحدثتنا عن نفسها قائلة: "أنا مبسوطة النهاردة لأن يوم الصحة العالمى فرصة إن كل الناس تحس بالعيانين، ولأنى بحب الفن، وهو شئ رقيق بيجمع كل الشعوب، وده دفعنى إنى أرسم لوحات كتير، وقبل ما آجى المستشفى كنت دارسة اقتصاد منزلى وكنت خياطة، والخياطة فن".

وعن حالة سامية، قالت الأخصائية الاجتماعية مريم جاد المسؤولة عن الحالة: "أتت سامية إلى المستشفى منذ 17 عاما، كان هناك عدة أعراض لمرضها، منها توزيعها لمعاش والدها على المارة فى الطريق خلال عودتها عقب استلامه مباشرة، وعدة سلوكيات جعلت أسرتها تشك فى مرضها وذهبوا بها للعديد من الأطباء، وكانت مستشفى العباسية هى ملجأهم الأخير، فتم تشخيص حالتها أنها مصابة "بالبارانويا" أو جنون العظمة، وإلى الآن وهى تتلقى الدواء حتى لا تسوء حالتها وتصل للهلاوس، وأهلها يزورونها من حين لآخر، وقد تعدى عمرها الستين.

السيكودراما وتفريغ المشاعر

وفى تمام الساعة الخامسة انتهت فترة ورشة العلاج بالفن، وبدأت فقرات الحفل، فكان العرض الأول "سيكودراما"، حيث ظهر على المسرح 5 أشخاص، 4 نساء ورجل، يغنون أغنية ثلاثى أضواء المسرح "لو كانوا سألونا"، ثم تقدم كل فرد منهم على حده يحكى قصته ومعاناته التى أوصلته إلى المرض النفسى بأداء تمثيلى، لدرجة عدم قدرة معرفة الحضور هل هذه هى قصصهم الحقيقية أم لا.

وعن مستوى الأداء الذى وصل إليه المرضى، قالت دكتورة شيرين دحروج المسؤولة عن العرض: المشاركون فى عرض اليوم وصلوا لمرحلة عالية من التعافى، وقد استمر الإعداد لهذا العرض أسبوعين من التدريب كانوا سعداء خلالهم بالمشاركة، وهم يحكون قصصهم الحقيقية أمام كل الحاضرين مما يزيد لديهم الثقة بالنفس، ويساعدهم على تفريغ مشاعرهم.

المطرب إيهاب الشيوى: إسعاد المرضى واجب إنسانى

وتضمن الحفل أيضا العديد من الفقرات الغنائية التى قام بها المرضى وشاركهم الغناء المطرب اللبنانى إيهاب الشيوى، الرجل الذى فقد عائلته فى حرب لبنان واستقر فى القاهرة منذ 15 عاما، وأشعل فى المرضى الحماس والسعادة بفنه وأدائه.

وعن سبب حضوره حفل بمستشفى أمراض نفسية، قال الشيوى لـ«اليوم الجديد»: :وجودى هنا واجب إنسانى، ليس لأنى فقط فنان وخريج موسيقى عربية، فأنا آتى إلى هنا كل 15 يوما تقريبا وإلى مستشفيات أخرى مثل معهد الأورام، لدرجة أن تفضيلى للواجبات الإنسانية ورفضى لـ«أوردرات» أخرى، دفع مدير أعمالى لتركى، المرضى هنا لا يغنون معى فقط بل يرتاحون معى نفسيا ويحكون لى قصصهم، لذلك لا أستطيع التأخر عنهم.

اليوم الجديد