حسام مصطفى إبراهيم

هل تكره مصر أحيانا؟ نعم، كثيرًا، عندما تتنكر لي وتقسو عليّ وتنسى أننا بلُغة ولاد البلد: "واكلين عيش وملح مع بعض"، وبلُغة العُصبَجية: "دافنينه سوا"، وبلُغة الأسطوات: "مبروم على مبروم ما يرولِّش". عندما تلعب دور الدولة القادرة المفترية وتحصرني في دور "الهفيّة" الذي لا يملك من أمره شيئًا أمام جبروتها...
مشهد 1 الزمن: عام 615 م الحدث: 82 مهاجرًا، يفرِّون بدينهم إلى الحبشة، مستضعفين، خائفين على النفس والعِرض والعقيدة من مُشركي قريش، فيستقبلهم الملك النجاشي المسيحي، ويُحسن إليهم، ويُؤمِّنهم على حياتهم، فترسل قريش داهيتها عمرو بن العاص -ولم يكن قد أسلم بعد- على رأس وفد يسعى لاستعادة الفارين، فيفكِّر...
يبدو الأمر –للوهلة الأولى- كمرثية، أو محاولة لاقتناص تعاطف ما، لكنه أكثر من ذلك. بدرجة ما، هو محاولة للاقتراب أكثر من هذه الظاهرة المسماة: الإنسان. خصوصًا في مواضع القوة والسطوة وامتلاك قلم أزرق وختم نسر يُمكِّنه من تسيير مصالح العباد أو إيقافها. ذهبتُ –كآلاف غيري- لاستخراج رخصة قيادة. هذه أشياء...
جفّ ماءُ قلبي، وانحسر عن أسماك ميتة، وأصداف، ولآلئ غير مكتملة، ودموع في طور التكوّن، ووعود مصلوبة، وأجنّة أحلام مشوهة، ونساء يغطين وجوههن خشية الضوء، ورجال يعكفون بمنتهى الإخلاص على تضييع أعمارهم فيما لا يفيد، وأبيات شعر وفواتير وطوابير وأقلام نشف حبرها وأطباق متسخة وكوتشينة ومفاتيح وكتب وقصاصات...
مصطفى -8 سنوات- يريد أن يدخل عالم رجال الأعمال، من أوسع أبوابه، ويبيع ذرة رأى شابًا يفعل ذلك، فأراد أن يُجرِّب، أخبرني بالأمر، فكشفتُ له سرًا دفينًا من تاريخي المجهول: - مرة فعلتُها يا بني، وبعتُ ذرة بالفعل، وربحت 20 جنيهًا كاملة، كنت في الصف الأول الثانوي تقريبًا. تحمّس أكثر، وشعر أن الأمر يمكن...
فقط لو كنتُ أعرف أنه اللّقاء الأخير، لرفضتُ الذهاب إلى أي مكان، وضربت قدميّ بقوة حتى انغرزتا في الأرض، وتجذّرتا، وأنبتتا فروعًا وأوراقا وثمارًا، تُظللنا وتُطعمنا وتحمينا من عيون الناس وعقارب الساعات، وظللتُ أقبض على يدك، حتى تنعجن في يدي وتصبحا يدًا واحدة، وقبّلت شفتيك بوحشية، حتى نتماهى، ولا تعود...
أعيش على ذكرياتك، وتعيشين اليوم بيومه دون ذاكرة.. أتمنّى لقاءً عابرًا يجمعنا، وتتعمّدين غلق جميع الطرق والمسارات والاحتمالات كي نظل في التيه للأبد.. أخافُ عليكِ وأقتفي رائحتك، وتمضين في طريقك بلا مبالاة حقيقية بأي شيء.. الآن أدركُ! لقد أحببتكِ.. فيما رأيتِني أنتِ مجرّد محطة على طريق سفرك، استرحتِ...
الحزن عميلُ الشتاء السرّي، يتسلّل مع أوّل نسمة باردة تطرُق الأبواب، وأوّل قطرة مطر تغسل الشوارع، فيفتح خزائن الذكريات، ومغارات الهزائم، وأقبية الحنين، يعيث فسادًا في المشاعر، يُحرّر الشوق من سلاسله، يُطلق الوجع من محبسه، يكرّر نفسه كالفيروس على كل جدار، لتجد نفسك في النهاية أمام جيوش كل شيء: الخوف...
كان أبي -رحمه الله- يأخذني في حضنه دائمًا قبل النوم، ويحكي لي قصص "الشاطر دؤرم"، وهي الشخصية الخيالية التي اخترعها خصيصا من أجل سواد عيوني، وركّبها من عوالم "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" و"خرافات الحكيم أيسوب"، من "طرزان" و"الرجل العنكبوت" و"سوبر مان" و"عادل إمام" و"إسماعيل ياسين" في وقت واحد!...
هذا أوّل عيد ميلاد لكِ يأتي وبيننا البلادُ والناسُ والعِندُ والفَقدُ والخذلانُ والقَدرُ! وبدلا من أن تكوني بين أحضاني، نقصّ شريط عام جديد، ونزرع في رأسه حلمًا لا يلين، كلانا يُوقّع باسمه ثلاثيًا في دفاتر التعاسة! لكن.. ليس مُهمًا أن تكوني معي الآن، أو غدًا، أو بعد سنة. آخر لقاء بيننا.. غافلتُكِ،...
نزع الله من قلبي "فيشة" الدهشة، وأسلمني لنابِ شيطانٍ رجيم، لعنني بالاعتياد، والتوقّع، وقلّة الاكتراث للعالم، فأصبح وجودي مثل عدمه، وباتت لحظاتي حرثًا في بحر، ومحاولة لحفر ثقب، في قلب ماسة، بعود كبريت لم يولد بعد! أنا لا أحبُّ الحياةَ، لا أعلمُ متى تيقّنتُ من هذا تمامًا، وهل كان ذلك بسببِ خيباتي...
ربما تكون هذه آخر شمس تطالعها عيناي، ومع ذلك لم أقدر على منع نفسي من إزالة الجنزير الضخم، الذي أربط به بوابة البيت المهجور الذي أتخبّأ فيه، منذ بدأتْ المحنة، وإزاحة المزاليج الضخمة التي أظل أراقبها طول الليل، وأنا أنام مُغْلِقًا عينًا واحدة، مترقبًا سقوطها في أي لحظة! بهدوء، وفي حذر يشبه الحركة...
إن لم أكن قد أحببتك.. فلعلّي لم أكن لأرغب في الموتِ أكثر من الحياة الآن، لكنّي كذلك لم أكن لأدرك قوّة قلبي وضعفه، عنفوانه ورهافته.. كيف أفرح حدّ الذبح، وأبكي حد الفجيعة.. كيف أقرأ العلامات والنُذر والإشارات، وأُمزّق الحُجب عن الرسائل الكونية، وأجري في مضمار الكشف والحلول والمواءمة.. كيف أثمّن بعض...
عندما تجلس لتراجع دفتر الخيبات، وتقلّب أوراق الهزيمة، وتحاول تحديد مساحة الجرح التي تزيد باطّراد، ووضع رُقعة جديدة على ثقوب الروح التي تتكاثر ذاتيًا، وتتساءل: هل أحبوّنا من قلوبهم حقًا؟ تكتشف كمَّ المغالطات المُرعب الذي بلعتَه سعيدًا، والمواقفَ والعباراتِ والأحوال التي كان ينبغي لك الوقوف عندها،...
أحدّثكم من العام 1999، وأنا بعد في السنة الثانية من دراستي بجامعة المنصورة، شاب أخضر العود، غضّ الإهاب، خجول، لا يزال يحمل عبء تغيير العالم على كتفيه، وراغب علامة، يُصدر ألبومه الغنائي الجديد "حبيبي يا ناسي"، فيُحدث ضجة كبيرة في العالم العربي ومصر، تحديدًا بسبب أغنية "مش مهم" التي أصبحتْ، بين يوم...
ستعرفهم مِن أوّل نظرة إلى عيونهم المتّسعة، الثابتة على مشهد غائم خارج هذا العالم، لا يراه سواهم. مِن أياديهم العصبية غير المُسيطَر عليها، وغير القادرة على القبض على الكائنات، واحتوائها. مِن حركتهم المتعجلة دائمًا، الساعية للخروج من أي مساحة ثابتة، أو منطقة احتمالات، فقد زهدوا -حتى الذبح!- في التوقف...
تبدو السماء قريبةً جدا -كيد حبيبتي فوق جبيني ساعة كنت محمومًا- بياضُها يتخبّأ رويدًا في حُمرة مموّهة، لا تلبث أن تنقلب سُمرة مع انسحاب أشعة الشمس، ولواذها بديارها، فيما ذرّات الهواء تشتبك مع بعضها في رقصة مجنونة، قبل أن تعبر نافذة القطار المفتوحة بأريحية، وترتطم بوجهي، حاملة إليّ ذكريات عمر مضى،...
في لحظة، الدنيا بتسوّد في عينك، وكل حاجة بتقف، ويمكن –رغم قوتك واتزانك النفسي- تفكّر تنتحر، وفي لحظة تانية، الدنيا بتبيَض فجأة، وتزهزه وتظبط، وتبقى عايز عمرين على عمرك عشان تتمتع بنعيمها! وده دليل على إن المشكلة لا في السواد ولا في البياض، إنما فيك إنت، وطريقة تلقّيك للأشياء، وترجمتها وفك شفرتها...
مرّة كنت ماسك الديسك في موقع من المواقع الإلكترونية الكبيرة، وفي يوم جمعة، بعد الصلاة، إذ فجأتن وأنا براجع على الصفحة الرئيسية، لقيت عنوان عظيم ومختلف بيقول (محلب يؤدّي صلاة الجمعة مع "مثليين" من جميع الوزارات)، يا نهار أسود، مثليين، طب افرض دي أسرار دولة يا حيوان؟! وجَري جَري، صلّحنا الخبر...
عبارة الستّ اللي بتقول: "دا الصَبر عايز صَبر لوحده"، بتلخّص المأزق الوجودي اللي العاشق بيجد نفسه فيه فجأة، لما تحصل بينه وبين محبوبه حاجة، ويبقى حلّها الوحيد في الصبر، وانتظار ما تأتي به الأيام. فحتّى لو وافق نظريًا على الانتظار، ومن ورا قلبه، وبحكم إنه لا يملك حق الرفض، السؤال الملحّ بيبقى: هيعمل...