حسام مصطفى إبراهيم

ينتهي العالم حين ننتهي منه، حتى وإن أكمل حياته بعدنا بشكل طبيعي، وأنشب مخالبه في المزيد من الضحايا. وأنا انتهيت من العالم. رأيت ما رأيت وتذوقت ما تذوقت ومددتُ يدي ولمستُ ونلتُ وقاربتُ، حتى أصبح كل شيء في ناظريّ لا يساوي جناح بعوضة. أنظر خلفي فأرى جثث الذكريات تتراكم على جانبي الممر الضيق الذي...
لو أراد الله ألا تحوي الأرض سوى مَن يُطيعه ويأنف من عصيانه، لأهبط ملائكته إليها، وانتهت القصة بتمجيد الرب في الأعالي على وقع موسيقى كونية هائلة، ورفرفة ملايين الأجنحة في المسافة بين الأراضين السبع والسموات السبع. أما وقد منحنا فرصةَ الخلافة، وهو يعلم ضعفنا -لأنه صانعنا- فهذا يعني أنه يتقبَّل...
منذ عرفتُه وهو كبير في السن هكذا، يمشي بمساعدة عكاز خشبي وعزيمة لا تلين، عم قرقر بائع "النِبْل" و"البِلي" و"النحل الخشبي" واللب الأسمر والسوداني. لا أحد يعرف متى ظهر بيننا، أو ما اسمه الحقيقي، والأغلب أنه كان موجودًا منذ الأزل، ربما قبل أن يقوموا ببناء البيوت والشوارع والمدن! ولكي تصل إليه، كان...
لم أر "عم متولي" ولا مرة واحدة دون عربته الخشبية الصغيرة، المزينة بالأجراس والشخاليل، والممتلئة بخيرات ربنا، من الجيلاتي المصنوع يدويًا من حبات الليمون والسكر، والبسكويت الهش الرقيق الذي يضع فيه الجيلاتي، والذي لا يمكن لأحد -مهما أوتي من قوة أعصاب- أن يقاومه أبدا!! "عم متولي" ترك بصمة كبيرة في حياة...
استيقظتُ اليوم وأنا أكره العالم. ما الجديد؟ أنني أصبحت أكره نفسي أيضًا، لأنني أصبحتُ مثله تقريبًا، أتواطأ وأنجرف وأواري، كتجلٍ حرٍ لثمرة الخطيئة الإنسانية الأولى التي يبدو أن نزولنا إلى الأرض لم يُنهها، إنما بدأها، وأمدَّها بحطب جديد، لتبقى مشتعلةً إلى يومِ يُبعثون. علاقتي بي تزداد توحشًا وتطرفًا...
اتصلتْ بي وقالتْ وهي تبكي : - كل شيء انتهى ! صَمتُّ لوهلة، أحسستُ أن أي كلمة الآن لن تعني شيئًا . عادتْ تقول : - كان حدسي في محله ! اندفعتُ في الكلام : - هذا ليس عدلًا، هل أصبحتْ قاعدة ألا تكتمل قصصُ الحب في هذا الزمان ! همستْ : - كان كل شيء يبدو حقيقيًا للغاية ! هتفتُ : - ثم ماذا! لماذا لم يستمر...
هل تكره مصر أحيانا؟ نعم، كثيرًا، عندما تتنكر لي وتقسو عليّ وتنسى أننا بلُغة ولاد البلد: "واكلين عيش وملح مع بعض"، وبلُغة العُصبَجية: "دافنينه سوا"، وبلُغة الأسطوات: "مبروم على مبروم ما يرولِّش". عندما تلعب دور الدولة القادرة المفترية وتحصرني في دور "الهفيّة" الذي لا يملك من أمره شيئًا أمام جبروتها...
مشهد 1 الزمن: عام 615 م الحدث: 82 مهاجرًا، يفرِّون بدينهم إلى الحبشة، مستضعفين، خائفين على النفس والعِرض والعقيدة من مُشركي قريش، فيستقبلهم الملك النجاشي المسيحي، ويُحسن إليهم، ويُؤمِّنهم على حياتهم، فترسل قريش داهيتها عمرو بن العاص -ولم يكن قد أسلم بعد- على رأس وفد يسعى لاستعادة الفارين، فيفكِّر...
يبدو الأمر –للوهلة الأولى- كمرثية، أو محاولة لاقتناص تعاطف ما، لكنه أكثر من ذلك. بدرجة ما، هو محاولة للاقتراب أكثر من هذه الظاهرة المسماة: الإنسان. خصوصًا في مواضع القوة والسطوة وامتلاك قلم أزرق وختم نسر يُمكِّنه من تسيير مصالح العباد أو إيقافها. ذهبتُ –كآلاف غيري- لاستخراج رخصة قيادة. هذه أشياء...
جفّ ماءُ قلبي، وانحسر عن أسماك ميتة، وأصداف، ولآلئ غير مكتملة، ودموع في طور التكوّن، ووعود مصلوبة، وأجنّة أحلام مشوهة، ونساء يغطين وجوههن خشية الضوء، ورجال يعكفون بمنتهى الإخلاص على تضييع أعمارهم فيما لا يفيد، وأبيات شعر وفواتير وطوابير وأقلام نشف حبرها وأطباق متسخة وكوتشينة ومفاتيح وكتب وقصاصات...
مصطفى -8 سنوات- يريد أن يدخل عالم رجال الأعمال، من أوسع أبوابه، ويبيع ذرة رأى شابًا يفعل ذلك، فأراد أن يُجرِّب، أخبرني بالأمر، فكشفتُ له سرًا دفينًا من تاريخي المجهول: - مرة فعلتُها يا بني، وبعتُ ذرة بالفعل، وربحت 20 جنيهًا كاملة، كنت في الصف الأول الثانوي تقريبًا. تحمّس أكثر، وشعر أن الأمر يمكن...
فقط لو كنتُ أعرف أنه اللّقاء الأخير، لرفضتُ الذهاب إلى أي مكان، وضربت قدميّ بقوة حتى انغرزتا في الأرض، وتجذّرتا، وأنبتتا فروعًا وأوراقا وثمارًا، تُظللنا وتُطعمنا وتحمينا من عيون الناس وعقارب الساعات، وظللتُ أقبض على يدك، حتى تنعجن في يدي وتصبحا يدًا واحدة، وقبّلت شفتيك بوحشية، حتى نتماهى، ولا تعود...
أعيش على ذكرياتك، وتعيشين اليوم بيومه دون ذاكرة.. أتمنّى لقاءً عابرًا يجمعنا، وتتعمّدين غلق جميع الطرق والمسارات والاحتمالات كي نظل في التيه للأبد.. أخافُ عليكِ وأقتفي رائحتك، وتمضين في طريقك بلا مبالاة حقيقية بأي شيء.. الآن أدركُ! لقد أحببتكِ.. فيما رأيتِني أنتِ مجرّد محطة على طريق سفرك، استرحتِ...
الحزن عميلُ الشتاء السرّي، يتسلّل مع أوّل نسمة باردة تطرُق الأبواب، وأوّل قطرة مطر تغسل الشوارع، فيفتح خزائن الذكريات، ومغارات الهزائم، وأقبية الحنين، يعيث فسادًا في المشاعر، يُحرّر الشوق من سلاسله، يُطلق الوجع من محبسه، يكرّر نفسه كالفيروس على كل جدار، لتجد نفسك في النهاية أمام جيوش كل شيء: الخوف...
كان أبي -رحمه الله- يأخذني في حضنه دائمًا قبل النوم، ويحكي لي قصص "الشاطر دؤرم"، وهي الشخصية الخيالية التي اخترعها خصيصا من أجل سواد عيوني، وركّبها من عوالم "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" و"خرافات الحكيم أيسوب"، من "طرزان" و"الرجل العنكبوت" و"سوبر مان" و"عادل إمام" و"إسماعيل ياسين" في وقت واحد!...
هذا أوّل عيد ميلاد لكِ يأتي وبيننا البلادُ والناسُ والعِندُ والفَقدُ والخذلانُ والقَدرُ! وبدلا من أن تكوني بين أحضاني، نقصّ شريط عام جديد، ونزرع في رأسه حلمًا لا يلين، كلانا يُوقّع باسمه ثلاثيًا في دفاتر التعاسة! لكن.. ليس مُهمًا أن تكوني معي الآن، أو غدًا، أو بعد سنة. آخر لقاء بيننا.. غافلتُكِ،...
نزع الله من قلبي "فيشة" الدهشة، وأسلمني لنابِ شيطانٍ رجيم، لعنني بالاعتياد، والتوقّع، وقلّة الاكتراث للعالم، فأصبح وجودي مثل عدمه، وباتت لحظاتي حرثًا في بحر، ومحاولة لحفر ثقب، في قلب ماسة، بعود كبريت لم يولد بعد! أنا لا أحبُّ الحياةَ، لا أعلمُ متى تيقّنتُ من هذا تمامًا، وهل كان ذلك بسببِ خيباتي...
ربما تكون هذه آخر شمس تطالعها عيناي، ومع ذلك لم أقدر على منع نفسي من إزالة الجنزير الضخم، الذي أربط به بوابة البيت المهجور الذي أتخبّأ فيه، منذ بدأتْ المحنة، وإزاحة المزاليج الضخمة التي أظل أراقبها طول الليل، وأنا أنام مُغْلِقًا عينًا واحدة، مترقبًا سقوطها في أي لحظة! بهدوء، وفي حذر يشبه الحركة...
إن لم أكن قد أحببتك.. فلعلّي لم أكن لأرغب في الموتِ أكثر من الحياة الآن، لكنّي كذلك لم أكن لأدرك قوّة قلبي وضعفه، عنفوانه ورهافته.. كيف أفرح حدّ الذبح، وأبكي حد الفجيعة.. كيف أقرأ العلامات والنُذر والإشارات، وأُمزّق الحُجب عن الرسائل الكونية، وأجري في مضمار الكشف والحلول والمواءمة.. كيف أثمّن بعض...
عندما تجلس لتراجع دفتر الخيبات، وتقلّب أوراق الهزيمة، وتحاول تحديد مساحة الجرح التي تزيد باطّراد، ووضع رُقعة جديدة على ثقوب الروح التي تتكاثر ذاتيًا، وتتساءل: هل أحبوّنا من قلوبهم حقًا؟ تكتشف كمَّ المغالطات المُرعب الذي بلعتَه سعيدًا، والمواقفَ والعباراتِ والأحوال التي كان ينبغي لك الوقوف عندها،...