أحمد خالد توفيق

في طفولتي – بعد مصرع جيفارا - كانت هناك ثلاثة وجوه ترمز للثورة في العالم. الوجه الأول هو وجه نلسون مانديلا ضحية التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا.. الوجه الثاني وجه أنجيلا ديفيز المناضلة اللاتينية .. الوجه الثالث هو وجه ميريام ماكيبا .. ماما أفريقيا. في ذلك الزمن كان مناضلو العالم كلهم تحت لواء واحد...
لا شك في أن تدهور الإعلام يحدث بسرعة فائقة، وقد خطر لي أمس أننا صرنا بالفعل نفتقد توفيق عكاشة، فهو – بالمقارنة بوجوه حالية - كان مسليًا قادرًا على جعلك تبتسم، وتشعر معه أنك جالس على المصطبة تثرثر وتشرب الشاي. من المحزن أن توفيق عكاشة صار يمثل (الماضي الجميل) الذي فقدناه. رأينا برنامجًا يقدم تسجيلات...
يقول العبقري المتنبي في بيتين من أبياته التي لا تشيخ أبدًا: رَماني الدّهرُ بالأرزاءِ حتى فُؤادي في غِشاءٍ مِنْ نِبالِ فَصِرْتُ إذا أصابَتْني سِهامٌ تكَسّرَتِ النّصالُ على النّصالِ أي أن كثرة السهام صنعت حوله قلبه غلافًا واقيًا يجعله لا يشعر بأي سهام أخرى. وهذا هو حالنا حاليًا. في كل يوم كارثة أو...
حكى هيكل عن ضابط بريطاني كان يراقب المناورات التدريبية للجيش التركي في مطلع القرن العشرين. لاحظ أن ضابطًا تركيًا يرتكب الكثير من الأخطاء، فقال له: ـ"سيدي .. من أين تريد وسامك؟ من هنا أم من الجانب الآخر؟" الحقيقة أن هذه العبارة تنطبق على مواقف لا حصر لها. فالحصول على رضا الغرب قد يستدعي أن تفقد رضا...
أعادني جو انفجار الكنيسة البطرسية إلى ستة أعوام بالضبط .. ست سنوات لو أردنا الدقة. نفس الجو الكارثي والغم اللذين شعرنا بهما بعد انفجار كنيسة القديسين. وكذلك استعدت جو تضارب المعلومات والأقوال، حيث قالوا في البداية إن العملية انتحارية، وإنهم وجدوا رأس منفذ العملية في شرفة قريبة، وله ملامح آسيوية...
في الفترة الأخيرة جاءت مفاجأة الأسبوع المعتادة في موعدها، لتتكلم هذه المرة عن شباب اغتصبوا كلبة ومزقوا جهازها التناسلي، لدرجة أن الطبيب اضطر لاستئصال الرحم. لا أعرف الكثير عن الكلاب أو طريقة اغتصابها، لكن هناك عددًا من المعلقين الخبراء الذين سخروا من الخبر وقالوا إن هذا مستحيل، لأن عضلات المهبل...
في الظلام الدامس يتسلل الفتى مدمن المخدرات نحو مكان يعرفه جيدًا .. نحو الكومباوند السكني الذي كان يعمل فيه كفرد أمن قبل طرده .. لم تكن هذه المرة الأولى، فقد تسلل إلى تلك الفيلا من قبل وخرج مظفرًا وكانت جريمة كاملة. ترى هل يختبر الأقدار هذه المرة أيضًا ؟ قام بتعطيل بعض الكاميرات التي يعرف موضعها...
يدرك المرء أنه مجرد قطرة في السيل الهادر الذي يعبر الوجود قاصدًا المصب منذ بدء الخليقة، ليلحق بمن سبقوه في رحلة الأبدية، لكنه برغم هذا يشعر في أعماق أعماقه أن السيل والمصب والشلال والآخرين قد وجدوا من أجله هو. يعرف هذا يقينًا برغم أنه ينكره طيلة الوقت. الشمس هناك من أجلك ولا وجود لها ما لم تقع...
أطلق على هذه الظاهرة اسم (التأثير البؤري للمصائب). عندما تضيء كشافك على جدار قريب فإن بقعة النور تكون صغيرة .. كلما ابتعدت اتسعت البقعة أكثر فأكثر. كلما كنت في الخارج وسمعت عن مصيبة في أرض الوطن، فإن الأمر يتناسب مع بعدك عنها. على هذا البعد تتضخم الأمور وتتسع رقعتها. في العام 1992 كنت في المملكة...
اسمها شيماء أو هاله أو نجوى أو عزة أو...أو.. تسكن دائمًا – لسبب لا أعرفه - في فيصل أو الهرم، وتلبس فستانًا يصل للركبتين تحته سروال جينز واسع، وحذاء مطاطيًا من نوع (كوتشي)، وتحمل جهاز هاتف محمول ألصقت عليه ملصق القطة اليابانية (هيلو كيتي)، وفي وجهها الشاحب رقعتان بيضاوان مما يسميه الأطباء النخالة...
صوت عبد الحليم حافظ الرخيم يتدفق من سماعة التلفزيون ليملأ الغرفة، مفعمًا بالفخر والحماسة والأمل: آديـك أهـه خـــدت العضـــويــة.. وصـبحــت فـى اللجـنـة الأسـاسيــة.. أبـو زيـد زمـانــك ، وحصــــانـك : الكلمـــه ، والخـدمــة الـوطنيــــة. . ودى مسـئـوليــة.. لقد اعتدت هذه الكلمات في طفولتي وألفتها...
وقعت في حبائل الأدب الروسي ككل شخص آخر، وذلك في سن مبكرة جدًا. وهذا لا يثير الدهشة إذا عرفنا أن تأثير هذا الأدب كان كاسحًا مع كل الأدباء المصريين في أوائل القرن الماضي. لم ينكر يحيى حقي تأثره الشديد به، وكذلك نعمان عاشور قبل أن يتجه للمسرح، وبالطبع سيد القصة القصيرة يوسف إدريس الذي عندما ترجم لأول...
يعجّ شهر سبتمبر بالذكريات، حتى أنه الشهر الوحيد الذي أكتب فيه وأنا ممسك بالتقويم خشية أن أتعثر في ذكرى مهمة ما، وقد تعثرت بالفعل بذكرى صبرا وشاتيلا عام 1982، وعشرات المصائب لعل أحدثها حادثا سقوط الرافعة والتدافع في الحرم عام 2015. كدت أكتب عن صبرا وشاتيلا كالعادة ثم تذكرت انني كتبت عنهما أكثر من...
القراءة الباردة هي عندما يقرأ لك العراف طالعك، فيبهرك. والحقيقة أنك أنت من يقدم له مفاتيح القراءة وأنت لا تدري. وهي تختلف عن القراءة الساخنة، حيث تكون هناك خدعة تمنح العراف معلومات مسبقة، أو يكون هناك وسيط مدسوس بين الجماهير في النوع الأخير، بينما القراءة الباردة تعتمد بالكامل على فطنة النصاب...
لم أكن من الطلبة المناضلين (الجيفارات) أيام الكلية، بل كنت مسالمًا يفضل مراقبة الأمور، ولكني كنت أندمج مع الجميع وأصغي للجميع. ولرب مخبر يراقبني في يوم فيخيل له أنني من عتاة الإسلاميين، ويراقبني في يوم آخر فيحسبني من عتاة الناصريين أو الشيوعيين، ثم يراقبني في يوم ثالث فيجدني طالبًا منكبًا على...
ليس الأمر متعلقًا بقنوات الطبخ التي تكاثرت على الفضائيات كالسرطان. بل يتعلق بمبدأ من مبادئ الحياة تعلمته من أمي يرحمها الله: "لا تفسد الطبخة من أجل القليل من الملح". تعلمت هذا المبدأ لكني لا أطبقه غالبًا لأن الأمر يكون أحيانًا أقوى مني. ذات مرة ابتاع صديقي هدية ثمينة لخطيبته في عيد ميلادها، وقد دفع...
أعتذر عن عدم كتابة مقال هذا الأسبوع لموقع اليوم الجديد ، حدادًا على أرواح من ماتوا في أحداث رابعة الدامية، والذين قالت وزارة الصحة نفسها إنهم ثمانمائة، والذين - بعد ثلاثة أعوام - لم يتم أي تحقيق جاد لمحاسبة من قتلهم . يظل الصمت أفضل وأبلغ.
عندما دارت عينا هدى الزجاجيتان لتنظرا لي شعرت بأن ساقيّ ترتجفان، وأنني سأفقد وعيي بسهولة. في العام 1986 كنت طبيب امتياز مذعورًا مرتبكًا يمارس عمله في مستشفى طنطا الجامعي، وكانت هناك مقولة إنجليزية قاسية يطلقها علينا الأطباء المقيمون متندرين: "طبيب الامتياز ظل أبيض يمشي في الظلام حاملاً أكياس الدم...
لأنيس منصور كتاب شائق اسمه (وكانت الصحة هي الثمن)، يحكي عن أمراض العظماء وآلامهم، وقد أردت الاستعانة به في هذا المقال لكنني فشلت في العثور عليه في مكتبتي. لا أذكر تفاصيله سوى أن فيه فصلاً عن عبد الناصر، ونصف الكتاب مخصص لبونابرت وقرحته، مع بعض العبارات التي يستحيل التحقق منها، مثل أن بونابرت قال...
برغم سحق الانقلاب في تركيا، فإنني أرى أنه نجح في إيذائها فعلاً. لقد ترك ندبة ستبقى طويلاً. مثل الجميع فوجئت بأنباء محاولة الانقلاب في تركيا بعد يوم واحد من مذبحة نيس، حتى قلت لصاحبي إنني صرت أتوقع مصيبة جديدة مساء كل يوم. المذيعة الشقراء تتكلم في رعب أمام الكاميرا، وتلقي البيان الأول للانقلاب. هذا...