ماذا يريد تيلرسون؟

ماذا يريد تيلرسون؟

 

وزير الخارجية الأمريكى تيلرسون لم يأتِ إلى المنطقة وسيطا نزيها، أو كى يحاول التوصل إلى حل عادل للأزمة يحفظ أمن واستقرار المنطقة ويجنبها الخطر الذى يمثله تهديد قطر.

تيلرسون أتى إلى المنطقة مدافعا عن قطر ومنحازا إليها، وكى يحاول إيجاد مخرج لها من الأزمة من دون أن تلتزم بتنفيذ المطالب.

ولا أدل على ذلك مما فعله فى جولته حتى الآن.

فعل أمرين مستفزين ويفضحان الهدف الحقيقى من جولته.

الأول: أدلى بتصريحات لا يمكن وصفها إلا بأنها سخيفة ومستفزة. قال مثلا إن موقف قطر منطقى ومعقول. ولم يشرح بالطبع ما هو المنطقى والمعقول فى موقف قطر. هو يريد فقط أن يظهر انحيازه إليها.

وقال أيضا إن المطالب التى طرحتها الدول الأربع فى أغلبها صعبة التحقيق.. ويريد هنا أن يقول إن قطر على حق فى رفضها للمطالب وقد سبق أن قال هذا الكلام وعبّر عن نفس الانحياز لقطر من قبل.

والثانى: اتفاق التفاهم الذى وقعه مع قطر لمكافحة تمويل الإرهاب.

لا نتردد أبدا فى القول إن توقيع هذا الاتفاق فى ظل الظروف الحالية، هو عملية نصب واحتيال.

الهدف من توقيع هذا الاتفاق ليس أبدا ضمان وقف تمويل قطر للإرهاب فعلا، وإنما مجرد الالتفاف حول المطالب العربية.

تيلرسون أراد إظهار قطر كما لو كانت جادة فعلا فى مكافحة تمويل الإرهاب، وكما لو أن مجرد توقيعها لهذا الاتفاق معه كفيل بإغلاق الملف.

تيلرسون ظن أنه بهذا الاتفاق ذكى جدا، وأنه حين يذهب إلى جدة للاجتماع بوزراء خارجية السعودية ومصر والبحرين والإمارات، سيقدم لهم الاتفاق على اعتبار أنه مبرر كاف جدا للمطالبة بوقف الإجراءات المتخذة ضد قطر.

لهذا، كان البيان الذى أصدرته الدول الأربع تعليقا على الاتفاق الأمريكى القطرى خطوة استباقية فى غاية الذكاء سياسيا.

الدول الأربع أرادت أن تستبق زيارة تيلرسون للسعودية واجتماعه مع وزراء الخارجية بإفهامه أن ما فعله لا ينطلى عليهم، وأن هناك خطوطا حمراء فى التعامل مع الأزمة يجب أن يعرفها.. أرادت إفهامه ما هو المقبول وما هو غير المقبول فى مواقف أمريكا أو غيرها.

على الرغم من أن البيان صِيغَ بلغة دبلوماسية، فإنه كان حاسما فى المواقف التى عبر عنها.

فيما يتعلق بالاتفاق الذى وقعه تيلرسون مع قطر ويظن أنه خطوة مهمة جدا، البيان أفهمه صراحة بداية أنه حتى لو كنت تظن أن الاتفاق يمثل إنجازا كبيرا، فليس لكم أى فضل فيه. الفضل أولا وأخيرا هو للدول الأربع وإجراءاتها وضغوطها على قطر.

الأهم من هذا أن البيان أبلغ تيلرسون بشكل دبلوماسى مهذب أن هذا الاتفاق لا يعنى الدول الأربع كثيرا ولا تعتبره إنجازا بأى معنى. السبب فى ذلك بسيط وواضح جدا. إذا كانت قطر تعهدت فى الاتفاق بالتعاون فى مكافحة تمويل الإرهاب، فإن تعهداتها لا معنى لها ولا قيمة أصلا، فلقد سبق أن قطعت على نفسها تعهدات كثيرة ووقعت اتفاقيات ملزمة، لكنها نكثت بكل العهود ولم تنفذ أى شىء التزمت به.

وقد كان البيان حاسما فى توضيح أن القضية لا تتعلق باتفاق توقعه قطر مع أمريكا أو غيرها، وإنما بأنشطة قطرية فى دعم وتمويل الإرهاب واحتضان المتطرفين ونشر خطاب الكراهية والتدخل فى شؤون الدول العربية، وكلها أنشطة يجب أن تتوقف بشكل كامل ونهائى.

ولهذا، حرصت الدول الأربع على أن يفهم تيلرسون قبل أن يجتمعوا معه فى جدة أن الإجراءات التى تم اتخاذها ضد قطر سوف تستمر إلى أن تنفذ قطر كامل المطالب، وأن الموضوع ليس مطروحا للنقاش أصلا. وحتى إذا أعلنت قطر التزامها، فلا بد أن تكون هناك ضمانات وآليات رقابة.

حسم موقف الدول الأربع على هذا النحو وإعلانه للعالم كان أمرا فى غاية الأهمية ليس فقط ردا على تيلرسون، وإنما أيضا على أمثاله من المسئولين الغربيين الذين يتوافدون على المنطقة تحت ذريعة المساعدة على حل الأزمة أو تخفيف التوتر، لكنهم يحملون نفس المواقف والأهداف المشبوهة مثلهم مثل تيلرسون.

التعليقات