طبيعة وتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية «1-4»

طبيعة وتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية «1-4»

 

كثر الحديث فى السنوات القليلة الماضية، وتحديدا منذ الأزمة العاصفة أواخر عام 2008، حول الأزمة المالية والاقتصادية العالميةglobal economic & financial crisis، واختلط فى الكثير من الأحيان الحابل بالنابل، فتحدث المتخصصون وغير المتخصصين، وأفتى العارفون فيها وغير العارفين، وزاد البعض فتنطع فى بعض القنوات الفضائية هنا وهناك، ملقيا بالنصائح، ومستخلصا العبر والدروس، دون أن يتأمل هذا الفريق أو ذاك فى طبيعة الخطاب المتداول فى أوساط الرأى العام، والمتابع عن كثب هول ما جرى، وما يجرى دون أن يعرف على وجه اليقين مغزاه ومعناه ومبناه.

وقد جاء انعقاد قمة مجموعة العشرين فى الأيام القليلة الماضية (6-8 يوليو) عام 2017، لتضيف للأزمة أبعادا جديدة، خصوصا ما تعلق منها بقضية الإرهاب الزاحف وقضية الهجرة غير الشرعية من الجنوب المثخن بالجراح إلى الشمال الأوروبى المتخم بالرفاهية.

لذا بات من الضرورى التوقف بالشرح والتحليل عند ثلاثة عناصر أساسية تكون المنظور الصحيح للتعامل مع الأزمة الكبرى، وتحليل مكوناتها وتداعياته، وطبيعة الصراعات التى نشأت وسط تلاطم أمواجها وأعاصيرها، والتى من المتوقع استمرارها لسنوات أخرى مقبلة، وهذه العناصر هى:

أولا: فى تشخيص الأزمة، ومحاولة تفكيك الخطابات السائدة.

ثانيا: فى أسباب الأزمة وتداعياتها.

ثالثا: فى أفق التشكل العالمى الجديد لصراعات القوى الدولية.

دعونا إذن نتناول كل واحدة من تلك العناصر بشىء من التفصيل:

أولا: فى تشخيص الأزمة.. محاولة لتفكيك الخطابات السائدة

إذا حاولنا تجريد الرؤى والأفكار المطروحة التى تعاملت مع الأزمة، سواء فى مصر أو فى غيرها من الدول العربية وغير العربية، وفى وسائل الإعلام والصحف والمجلات المتخصصة مثلfinancial times  و Economist البريطانيتين، أو wall street journal  الأمريكية، ووضع هذه الأفكار فى أطر تحليلية كلية، نجدنا إزاء خطابين مختلفين ومتمايزين من حيث العمق والقدرة على التأمل فى الكارثة:

- فالخطاب الأول: يمكن أن نطلق عليه خطابا فنيا technical أو خطابا مالياfinancial ، ركز فيه أصحابه على زوايا للنظر تكاد تنحصر فى أسباب من قبيل توسع البنوك فى الولايات المتحدة فى الإقراض العقارى، والتوسع فى منح الائتمان الشخصىcredit cards وللمؤسسات، وكذا زيادة حجم التداول المالى والورقى فى الأسواق المالية، واتساع نطاق عمليات التوريق securitization  والمضاربة على العملات، وسرعة تحركات رؤوس الأموال فى البورصات وفى الأسهم والسندات، وما جرى من توسع مذهل فيما سمى المشتقات المالية وعقود البيع الآجل والمستقبل، مع الانخفاض المتوالى فى أسعار الفائدة فى البنوك على الودائع، مما دفع المستثمرين والمضاربين على حد السواء إلى التحرك نحو تلك المشتقات لتحقيق الأرباح، وتورط عشرات البنوك فى تلك العمليات المخالفة للأصول والأعراف المصرفية المتعارف عليها، مما ترتب عليه فى لحظة من اللحظات، وجود مخاوف، خاصة بعد انهيار بنك «ليمان برازرز» فى الولايات المتحدة، وهكذا برزت أزمة السيولة فى مراحلها الأولى لتجرف بعدها، وتكشف عن تعثر المدينين فى قطاع النشاط العقارى وامتد منها إلى البنوك والمصارف الغارقة فى ائتمان مبالغ فيه، مما أفقد النظام المصرفى توازنه، وحدث ما شاهدنا جميعا على شاشات التلفاز، وانتشر الفزع فى كل الأوساط.

وقد دفع هذا الخطاب وأنصاره، إلى مطالبة الحكومة الأمريكية وبقية الحكومات الأوروبية وغير الأوروبية إلى تدخل ببرامج عاجلة من أجل استعادة الثقة فى البنوك والمصارف وبقية المؤسسات المالية، عبر ضخ كميات مالية تسمح بتدفق دم السيولة مرة أخرى فى البنوك.

-    أما الخطاب الثانى: الذى يمكن أن نطلق عليه خطابا هيكلياstructural ، فقد ذهب إلى مدى أعمق وأبعد فى تناول وتحليل طبيعة الاختلالات الهيكلية المزمنة والكامنة فى البناء الاقتصادى والمالى الأمريكى خصوصا والرأسمالى عموما، بحيث تتجاوز الأزمة مجرد سوء إدارة النظام المصرفى والمالى الأمريكى، ليغوص أكثر فى طبيعة بنيانه التى يزداد فيها اتساع الفجوة بين الاقتصاد العينى real economics ، والاقتصاد المالى financial economics منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين، بحيث تخلق قطاعا ماليا ضخما يتجاوز بمعدلات نموه وحركة الأموال الدائرة فى شرايينه عشرات المرات حجم الاقتصاد العينى الذى يقوم على أساسه ركائز اقتصاديات الأمم الحديثة.

 وعلى عكس القائلين بمصطلح الاقتصاد الحقيقى -بوصف قطاعات الاقتصاد العينى مثل الزراعة والصناعة والكهرباء والطاقة والتجارة والخدمات غير المالية- والاقتصاد غير الحقيقى -بوصف قطاعات النشاط المالى والبورصات وغيرها- فإننا نذهب إلى القول بأن كليهما هو اقتصاد حقيقى، ولا يجوز وصف قطاعات النشاط المالى بأنها اقتصاد غير حقيقى، حيث إن البنوك والبورصات المالية نشأت منذ القرن السابع عشر مع صعود الرأسمالية الحديثة، كإحدى قنوات تجميع المدخرات والأموال من الأفراد والمؤسسات من أجل إعادة ضخها واستثمارها فى أنشطة الاقتصاد العينى، لكن المشكلة بدأت حينما خرج نشاط القطاعات المالية عن أهدافه ووظائفه الحقيقية منذ منتصف السبعينيات، ليتحول إلى أداة للمقامرة والمضاربة عبر خلق عمليات رهونات ومضاربات على أسعار صرف العملات الرئيسية الدولية وعلى نطاق العالم أجمع، وجرف فى تياره الكاسح والعنيف -بفعل الهيمنة الأمريكية على توجهاته وآلياته- كل بورصات العالم وأسواقه المالية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.

يكفى أن نشير إلى حقيقة أنه بينما كان حجم الأموال الموظفة والمستثمرة فى الأسواق المالية العالمية فى عام 1985، حوالى 85 مليار دولار يوميا (فى صور شتى مثل شراء الأسهم والسندات، والمضاربة على أسعار الصرف وفى المشتقات المالية التى بدأت تتسع فى ذلك الحين وغيرها)، فإن هذا الرقم والمبالغ قد أخذت فى الزيادة يوما بعد يوم، وأسبوعا وراء أسبوع، وعاما بعد آخر حتى قاربت عشية الأزمة العاصفة فى سبتمبر وأكتوبر عام 2008 حوالى 3 تريليون دولار يوميا (أكرر ثلاثة آلاف مليار دولار يوميا)، فى حين أن الناتج المحلى الإجمالى العالمى لعام 2007 كله لم يزد على 48 تريليون دولار، كان نصيب الولايات المتحدة منها حوالى 13 أو 14 تريليون دولار فقط!

والأخطر فى هذا الميل المفرط فى التداول المالى والمضاربة على العملات والسلع المستقبلية، أنه قد اتخذ طابعا احتيالياfraud ، خاصة فى الولايات المتحدة وبعض الدول النفطية (راجع كارثة سوق المناخ فى الكويت عام 1982)، وبالتالى أحال الاقتصاد العالمى والبورصات العالمية إلى موائد قمار كبرى على حد وصف الاقتصادى الأمريكى البارز جوزيف ستيجللتز j. steglltz، أو كما وصف المضارب الأكبر جورج سورس، الوضع الرأسمالى العالمى عشية انهيار الروبل الروسى عام 1998 وعام 1999 بأنه من الضرورى إنقاذ الرأسمالية من الرأسماليين!

ثانيا: كيف جرى ما جرى؟

القائلون بأن جوهر الأزمة الراهنة هو مشكلة الطلب على السلع والخدمات، لا يدركون بدقة خصائص الأزمة وجوهرها الحقيقى، ويكادون يعيشون على أدوات التحليل التقليدية القديمة، التى عالج بها المفكر الاقتصادى الأسكتلندى الشهير جون ماينارد كينز أزمة الكساد العظيم greet depression عام 1929، والتى استمرت لأكثر من خمس سنوات تقريبا.

ما الجديد إذن الذى يميز الأزمة الاقتصادية الراهنة عن تلك التى عصفت بالاقتصاد الرأسمالى العالمى عام 1929، الذى بدأ أيضا فى الولايات المتحدة الأمريكية؟

لدينا هنا ثلاثة عناصر أو عوامل تكاد تجعل المشهد العالمى مختلفا تماما من حيث العمق والآثار والتداعيات الاستراتيجية للأزمة الراهنة. 

التعليقات