الأزهر في عهد السيسى.. «شد وجذب»

الأزهر في عهد السيسى.. «شد وجذب»

 

لما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى سارت العلاقة بينه وبين الأزهر بين شد وجذب، لكنها لم تكسر التقاليد الراسخة بين المؤسستين، والتى تنبنى على تبادل المنافع، أو الاحتياج المتبادل، من منطلق إدراك الرئاسة أن الأزهر عمود من أعمدة الدولة المصرية منذ ما يزيد على ألف عام، وإدراك الأزهر أن الرئيس هو «ولى الأمر» وأن معاندته، أو التمرد عليه، أو تجاهل مطالبه، سيضر بالمؤسسة العريقة، جامعا وجامعة.

فى بداية حكمه أعطى السيسى دفعة قوية للأزهر حين عول عليه فى التصدى للفكر المتطرف، ومواصلة دوره الذى لعبه بحضور شيخه إعلان «خريطة الطريق» التى أسقطت حكم «جماعة الإخوان المسلمين» فى الثالث من يوليو 2013. وتحدث السيسى عن «ثورة دينية» ثم خفض الاصطلاح أو المطلب أو المقصد إلى «تجديد الخطاب الدينى»، جاعلا الأزهر فى قلب هذه العملية، لأن الرئيس يؤمن بدور الأزهر المحورى فى التعريف بصحيح الدين الإسلامى، والاستمرار فى تقديم النموذج الحضارى الحقيقى له، فى مواجهة دعوات الغُلو والتطرف، حسبما أعلن المتحدث باسم الرئاسة فى أعقاب لقاء جمع السيسى بشيخ الأزهر فى الثالث من أغسطس 2016.

وكان السيسى قد خاطب علماء الأزهر فى يناير 2015 بطريقة صريحة تحمل وعدا ووعيدا فى آن: «والله لأحاجيكم يوم القيامة، فقد أخليت ذمتى أمام الله لأنه لا يمكن أن يكون هناك دين يتصادم مع الدنيا كلها». ومطالب الرئاسة للأزهر جاءت دوما محددة فى نقاط، أتى الرئيس السيسى على ذكرها غير مرة فى خطبه، وهى:

1ـ التصدى للتطرف من خلال عمل جاد ومنظم، والعمل على الحيلولة دون توسعه واستمراره فى تشويه صورة الدين.

2- مقاومة الانقسام المذهبى الذى يؤدى إلى الفرقة والتباغض والاحتقان الطائفى بين المسلمين، بما يكون له آثار مدمرة على الدول فى الوقت الراهن، نظرا لأن تفاقم هذا الخلاف يؤدى إلى مزيد من التقسيم والفرقة.

3ـ ضرورة أن يساعد الدين الأمم على أن تقام بالعمل والجهد والإخلاص وليس بالقتل والتخريب وتدمير الأوطان وترويع الآمنين، مع الأخذ فى الاعتبار أن الدول التى تسقط فى براثن الإرهاب والفوضى لا تعود مرة أخرى.

وقد حددت خطب الرئيس ما يشبه المسارات التى ترمى إلى تحقيق هذين الهدفين، ومنها:

أـ أهمية التفكر والتدبر وإعمال العقل كقيم أساسية فى الدين الإسلامى، وهو الأمر الذى يدعو إلى الاطلاع وتعميق المعرفة الدينية لترسيخ الإيمان.

ب- ضرورة تحقيق التوازن بين الاتباع والنظر والتدبر وإعمال العقل.

ج- التصدى للتفاسير المغلوطة والممارسات الخاطئة التى يقوم بها البعض فى العالم اليوم، والعمل على إيضاح عدم صحتها حتى يتعرف عامة المسلمين على صحيح الدين.

دـ غربلة جديدة لبعض النصوص فى الحديث النبوى، انطلاقا من أن السنة النبوية قد تمت مراجعتها فى زمن سابق، لكن معطيات العلم الحديث ومناهجه لا بد من توظيفها الآن فى التعامل مع هذا النص.

هـ- مسئولية الفرد أمام الله سبحانه وتعالى عما يقدمه للمجتمع وللدين الإسلامى دفاعا عن قيمه الصحيحة وإظهارا لحقيقته السمحة.

لكن العلاقة بين الطرفين شابها خلاف مكتوم، إثر ما رأته الرئاسة من أن الأزهر لا يؤدى ما عليه فى تجديد الخطاب الدينى، بينما رأى الأزهر أن الرئاسة مأخوذة ببعض مطالب العلمانيين الذين يوجهون انتقادات لاذعة لمناهج جامعة الأزهر، ويحملونها جزءا كبيرا من مسئولية انتشار التطرف الدينى، ويتهمون مشيخة الأزهر نفسها بأنها قد تسلفت، ويتحدثون عن عدم قدرة الشيخ على مقاومة بعض المشايخ المتشددين الذين يحيطون به. كما أن الرئيس وجد لمسألة «الثورة الدينية» صدى طيبا فى الخارج، هو فى حاجة إليه للتغطية على الانتقادات التى توجه لطريقته فى الوصول إلى الحكم، وفى إدارة البلاد.

وكان الشيخ أحمد الطيب يرد على هذا دوما بقوله «الأزهر لا يزال يمثل منبرا للإسلام المعتدل بوسطيته وسماحته، ولا يدخر جهدا لإيضاح الحقائق وبيان فضائل الدين، الذى تحاول مجموعة من المتطرفين والإرهابيين تبرير أفعالها باسمه وهو منها براء»، ويرى فى الوقت نفسه أن «الأزهر يواجه تحديات لأنه المحافظ على الدين» بل وجه كلاما صريحا إلى السيسى قائلا: «الأزهر ماض فى طريق العلم والتعليم، ويفد إليه من أقطار العالم 40 ألف طالب وطالبة من أكثر من 100 دولة وينفق عليهم من أموال مصر» وزاد على هذا بأن «الإسلام والتجديد متلازمان ووجهان لعملة واحدة».

وقد بلغ الخلاف حدا ملحوظا حين اتهم وزير الثقافة حلمى النمنم التعليم الأزهرى بأنه أحد أسباب تولد العنف فى المجتمع المصرى، قائلا: «يشكل التعليم الأزهرى نسبة كبيرة فى مصر، وهو أمر لا بد من إعادة النظر فيه، وكذلك إعادة النظر فى المناهج الدينية التى تدرس فى المعاهد الأزهرية»، بل كشف عن «تجاهل الأزهر لمطالب السيسى بتجديد الخطاب الدينى، والتفافه على الأمر بالحديث النظرى دون اتخاذ أى خطوات عملية» .

لكن الأزهر فى حقيقة الأمر استجاب، ولو جزئيا أو إجرائيا أو حتى شكليا، لدعوة الرئيس له إلى التجديد، من خلال وضع تصور يرمى إلى  تجديد فى طريقة الخطاب والوسائل المناسبة له، وفى هذا وقع بروتوكولات تعاون مع وزارات التعليم والأوقاف والشباب والرياضة والثقافة والإعلام، وقام بدعوة المثقفين للحوار حول هذه المسألة بغية وضع وثيقة أشبه بمبادئ عامة حول أصول تجديد الخطاب الدينى، كما عقد مؤتمرا دوليا موسعا لاستطلاع رأى علماء الدين فى التجديد، وصناعة موقف موحد من التطرف الدينى والإرهاب.

وبالنسبة للمناهج قام الشيخ الطيب بتشكيل لجنة لإصلاح المناهج مكونة من 100 خبير فى التعليم لتنقية وتنقيح مناهج الأزهر فى مختلف القطاعات التعليمية، وضعت خريطة جديدة للمناهج قبل الجامعية، تشكل تنقيحا لها من أى نص يمكن استغلاله من أى متطرف للتحريض على العنف. وقدم وكيل الأزهر عباس شومان السبب الذى دعا المشيخة إلى تعديل المناهج حين قال إنها «استشعرت خطورة المرحلة التى تمر بها الأمة بظهور أفكار ورؤى تخالف المنهج الأزهرى الوسطى، فبادرت بالعمل على إصلاح منظومة التعليم الأزهرى، فتم حذف ما قد يفهم فى غير معناه». وقد وعد شومان بأن يبذل الأزهر جهدا كبيرا تلبية لمطالبته بتجديد مناهجه. وهناك بالفعل خطوات تمت على هذا الدرب بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، منها:

1ـ تعديل المناهج الدراسية كل ثلاث سنوات من أجل مواكبة العصر ومواجهة الفكر المتطرف.

2ـ حذف الأحاديث التى قد تفهم خطأ، مثل «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله...». وحذف العديد من النصوص والآراء التى كانت مقررة ضمن منهج اللغة العربية للمراحل الثانوية والإعدادية والابتدائية، والتى يمكن أن تستغل فى جذب الشباب إلى التطرف الدينى.

3ـ تم دمج مواد السيرة والحديث والتفسير للشهادة الإعدادية فى مادة أصول الدين، وتقليص عدد الصفحات إلى 25 تقريبا بعد أن كان كل فرع مستقلا بذاته كمادة.

4ـ تقديم مناهج العلوم للظواهر الطبيعية على أساس أنها تخضع لأسباب مادية يمكن قياسها، بعد أن كان الأمر فى المناهج السابقة يحاول أن يجد لها مبررات دينية من خلال تفاسير لبعض الآيات القرآنية والأحاديث وآراء الفقهاء القدامى.

5ـ خضوع  كثير من الدراسات الإنسانية للرؤى العلمية المتداولة فى المدارس والجامعات المدنية، متخففة أحيانا، ومتخلصة أحيانا، من حمولات النهج الذى تم تحت لافتة «إسلامية المعرفة»، والذى حاول أن يضفى طابعا دينيا إسلاميا على كل المعارف، وكان الأزهر يميل إليه فى السابق. كما تم إعادة النظر فى المسائل الخاصة بالجهاد، لتعود إلى أصلها وهو «جهاد الدفع» وليس «جهاد الطلب» الذى اعتمد عليه المتطرفون فى تبرير الهجوم والإغارة على مخالفيهم، أفرادا كانوا أو جماعات أو حتى دولا.

لكن بدا ما أقدم عليه الأزهر غير كاف، ليس فقط فى نظر النخبة المدنية المثقفة، ولا السلطة السياسية، إنما فى رأى جهات دينية أخرى، مثل وزارة الأوقاف، التى دخلت، هى ودار الإفتاء، فى خلاف مع أطراف فى الأزهر هو مسألة «تجديد الخطاب الدينى».

 وهناك من طالب الرئيس بأن يتخذ ما لديه من صلاحيات فى تغيير التركيبة العليا للسلطة الأزهرية، حتى تلين فى مواجهة المطالبة بالتغيير. وقد أصدر الرئيس بالفعل قرارا فى 29 ديسمبر 2015 بتعيين ثلاثة من الأساتذة أعضاء بهيئة كبار العلماء بالأزهر، اثنان منهم متخصصان فى العقيدة والفلسفة وهما عبد العزيز سيف النصر عبد العزيز مفتاح، ومحمد ربيع محمد الجوهرى، والثالث متخصص فى التاريخ والحضارة وهو عبد الشافى عبد اللطيف عبد الشافى.

لكن هذه الإجراءات لم تحقق كل ما يريده الرئيس، ولا بعض المثقفين من الأزهر، فى الوقت نفسه فإن الأزهر مقيد فى قراره وتوجهه بتوازنات القوة داخله، وبشبكة علاقاته وارتباطاته برؤى ومسارات دينية خارج مصر، وبتقليده التاريخى فى الحفاظ على التعددية بقدر الإمكان.

وفى الاحتفال بالمولد النبوى فى 8 ديسمبر 2016 قال السيسى: «أنا أعرف دور الأزهر جيدا، وأحب الإمام الأكبر الشيخ الطيب.. الناس ينظرون إلى الأزهر فى العالم كله، ويقولون إنه القلعة المستنيرة التى يجب أن تحيى صحيح الدين»، لكن هذا لم يمنعه من أن يعيد تحميل الأزهريين مسئولية تجديد الخطاب الدينى والتصدى للتطرف والإرهاب، فقال لهم: «ما أقوله لكم هو غضبة فى الله، لا يليق أن نقدم الله بالطريقة التى يقدم بها للناس. ويكون الخراب والدمار والقتل هو نصر لربنا. لن يقوم بناء على الهدم والقتل والتدمير».

فى حقيقة الأمر لا مجال للحديث عن إصلاح دينى دون خمسة شروط أولها أن نقر بأن الإيمان مسألة فردية، لا دخل لأحد فيها سواء كان عالم دين أم غيره، وأن نعتبر العقل مكملا لمسار الوحى وليس خصيما له ولا نكتفى بمجرد التلفيق بين الأول والثانى، كما يفعل الوعاظ حاليا، وأن نلتفت إلى الجوانب الأخلاقية ونراها هى جوهر الدين وليست الطقوس، ونهتم بالإصلاح الاجتماعى وأن يكون الدين رافعة له وليس خصما منه، وأن نميز بشكل واضح لا لبس فيه بين الدين والسلطة السياسية التى يجب أن تكون مدنية، والسيادة فيها للناس، والتشريعات للمؤسسات التى يختارونها.

التعليقات