خلاف العقيدة وعقيدة الاختلاف

خلاف العقيدة وعقيدة الاختلاف
فرق شاسع بين الاختلاف في العقيدة، الذي هو سنة الله في خلقه، وبين عقيدة الاختلاف التي تقود البعض من غير المتخصصين للخوض في مناطق لم يتأهلوا بعد، لأنها تتعلق بقضايا شديدة التعقيد وبالغة الخطورة.
والعقيدة لمن يجهل أو يتجاهل هي أعز ما يملك الإنسان،  لذلك فعندما يتعرض المفكر المنصف لقضية البحث في عقائد غير المسلمين فإنه لا يفعل ذلك من منطلق العداء لها أو الخصومة لأهلها، أو حتى لإبطالها عليهم، أو محاولة صدهم عنها، فهذا شأنهم وما يدينون.
ولكنه عندما يتعرض لها، فلابد أن يكون ذلك من قبيل التعرف عليها والتعريف بها والوقوف على الحقيقة بشأنها، فضلا عن التعرف على مواطن الالتقاء أو الاختلاف معها، وكذلك التعرف على مدى تطورها عبر التاريخ للوصول إلى منابعها الصافية، حيث تلتقي رسالات السماء ودعوات الأنبياء.
ومن الثابت أن البحث فيما يدين به الآخر والكتابة عن الغير للوقوف على مثل هذه الأمور، من أصعب له المفكر، لما يقتضيه من الإلمام التام بما لدى الغير من عقائد ومبادئ وما لديه أيضا من أحكام وتشريعات وتتبعها عبر تاريخها من مصادرها ومراجعها الموثوق بها عندهم، لكن بشرط أن يتم ذلك في حيدة وتجرد تام دون تعصب للرأي أو للعقيدة، لأن التعصب من شأنه أن يغيب روح الحيدة والنزاهة والتجرد.
ويجب أن نضع في الاعتبار أنه إذا ما كان الإنصاف يتطلب منا بألا نزيد على ما عندهم أو نحرفه عن مراده، فالإنصاف أيضا يقتضي ألا نهمل العقل ولا الحقائق العلمية التي تصل إلى حد اليقين، كذلك يتطلب منا ألا نهمل أو نغف القانون، لذلك كان لزاما أن يقتصر الخوض في مثل هذه القضايا شديدة الحساسية على المتخصصين.
وأنا عندما أقول المتخصصين فأنا أعني المتخصصين بحق من الدارسين أو الباحثين أو المتعمقين في مثل هذه القضايا، خاصة في ظل حالة التردي الفكري التي سمح لأشباه المتخصصين من غير المؤهلين أن يقحموا أنفسهم في مجال قضايا الأديان، حتى بات من آفات العصر ، تلك اللافتة العريضة التي يصدرها كل باحثة عن شهرة أو حتى عن فرصة للتكسب، وهي لافتة (باحث في الشؤون الدينية)، وكأن الشؤون الدينية أصبحت صنعة من لا صنعة له.
وإذا سألت أخدهم، وما علمك بالشؤون الدينية، يفجعك، أنه لا يعرف عنها إلا قشورا محصلة كتيب قرأه أو رأي أعجبه، بل ربما لا يكون لديه أي قدر من العلم، اللهم إلا ما يسعفه من عمليات القص واللصق، التي قد يقوم بها من مواقع مجهولة الهوية، أو من مواقع لها توجهات خاصة.
إن أمثال هؤلاء يزيدون المشهد تعقيدا ويؤججون نار الفتنة والاختلافات، وبدلا من البحث عن نقاط التلاقي والتقريب التي هي هدف المفكر الناضج والباحث الرصين، يقودنا هؤلاء إلى التردي في غياهب الفرقة والكراهية.
التعليقات