مبادئ أساسية لبناء التعايش بين المسلمين والمسيحيين

مبادئ أساسية لبناء التعايش بين المسلمين والمسيحيين

يستند التعايش، فى أى مكان وزمان، على عدد من الشروط ، التى يجب توافرها من أجل تمتين الروابط بين الفئات الاجتماعية لأى دولة تموج بحال من التعددية ثقافية كانت أم لغوية أو دينية أو عرقية.

ومن بين هذه الشروط أن يكون الحوار متكافئا بين الأطراف المتشاركة فى حياة واحدة، سواء كانوا أفرادا أو جماعات، وأن يعلو التحاور والتفاهم فوق أى عصبيات أو أفكار مسبقة عن الباقين، كما يجب الاستعداد للتعامل بتسامح مع الآخر وقبول الآراء المضادة، وعدم النظر إلى هذا التسامح على أنه علاقة بين طرفين أحدهما أقوى من الثانى، بل باعتباره ضرورة حياتية.

ومن المهم كذلك أن تكون هناك منظومة من القيم العادلة يتم الاحتكام لها فى توزيع الثروة، وتحصيل المكانة الاجتماعية، والتساوى فى الفرص السياسية المتاحة، أو المتوافرة، مهما كانت حدودها وحيويتها.

ومن شروط التعايش أيضا توافر شعور لدى الشعب المصرى بمختلف شرائحه وطبقاته بأهمية فكرة التعايش الاجتماعى، وإدراك أنها باتت ضرورة للدولة المعاصرة، وتفهم فكرة الاختلافات الطبيعية بين البشر، من حيث اللغة والدين والعرق واللون والثقافة، وكيفية تطويعها بحيث لا تشكل عائقا أمام التعايش بين جماعات شتى، بل تحقق الحكمة الإلهية العظيمة فى اختلاف الناس، من حيث الألوان والأجناس والأحجام واللغات واللهجات والمعتقدات... إلخ.

ولذا يناط بالنخبة المصرية، بمختلف ألوانها، أن تبحث، من دون كلل ولا ملل، عن سبل تأصيل ثقافة التعايش، من زاوية مدى الارتباط بين الدولة المدنية التى تقوم على عدم تسييس الدين وبين قيام تعايش سليم معافى، وإمكانية تأسيس مشروع وطنى يمهد لإعادة بناء دولة القانون المرتكزة على التعددية السياسية والثقافية واحترام حقوق الإنسان، وبذل جهد فائق فى البحث عن سبل الاستفادة من إعادة قراءة تاريخ العلاقة بين الفئات والشرائح الاجتماعية العربية، عبر فترات تاريخية، فى فهم الواقع المركب والمعقد للعلاقة بينها فى الوقت الراهن، وإبراز القيم المشتركة والموحدة من خلال التنقيب فى التراث الحضارى الشرقى، المفعم بعبر لا يمحوها الزمن عن آفات الشقاق، ومآثر التوحد القومى بين سكان الدولة الواحدة.

ولا يجب أن يقف جهد هذه النخبة عند حد الإسهاب فى وضع نظريات مجردة حول مفهوم التعايش ومظاهره وأساليبه ومخاطر غيابه أو حتى ضعفه، بل من الضرورى أن تعكف على تحديد آليات التوفيق بين المطالب المتبادلة لعنصرى الأمة المصرية، عبر تفعيل الحوار، وإعلاء قيم التسامح ليس باعتبارها شعارا تلوكه الألسنة، لكن بتحويلها إلى واقع معاش يحيا بين ظهرانينا، وإيجاد آلية لإزالة المخاوف والهواجس المتعلقة بما حدث من تجاوزات أو ظلم فى السابق لأى فئة اجتماعية، وذلك من خلال تعميق فكرة المواطنة، وإعلاء قيمة الانتماء إلى الوطن الأم،والاعتراف بالخصوصية الثقافية للآخر، واعتبارها جزءا لا يتجزأ من ثقافة المجتمع العامة.

ومن جانبها فإن الحكومة المصرية مطالبة بتلافى كل العناصر التى تهدد فكرة التعايش، ومنها إنهاء التمييز على أساس الدين أو اللغة أو العرق أو اللون، أو أى شيء آخر، فى الوظائف العامة، وفى تحصيل الفرص السياسية والاقتصادية، والوقوف بشجاعة وصبر لا يلين فى وجه أى ثقافات وتأويلات دينية مغلوطة تؤدى إلى ظهور تطرف دينى متبادل يعمق الخلافات ويقوض الروابط، ويفتح الباب أمام التأثيرات السلبية والممقوتة التى تتركها مسألة الاستقواء بالخارج للحصول على مكاسب داخلية معينة، تقود فى خاتمة المطاف إلى شق صف الجماعة الوطنية وتآكل قدرة الدولة المصرية على التكامل والتماسك.

هناك أمور رئيسة لا بد من توافرها قبل أن نسعى فى بناء شروط للتعايش، أو نطبق ما تعارف عليه الناس من شروط، إما بحكم التجربة، أو بفعل إعمال العقل. ومن هذه الأمور:

1 ـ الفصل بين «الجماعة السياسية» و«الجماعة الدينية»: وهذا شرط أساسى لتحقق «المواطنة» فى مجتمع ما، ومن ثم ترسيخ جذر أساسى للتعايش. فالمصريون يجب أن يكونوا «جماعة سياسية» واحدة و«جماعتين دينيتين»، مسلمة ومسيحية. وهذا معناه أن تكون الحقوق والواجبات متساوية فى كل ما ترتبه السياسة، بمختلف درجاتها، والشراكة متساوية فى الغنم والغرم.

أما بالنسبة للدين، فيتم التعامل معه على أساس القاعدة الذهبية التى تقول «الدين للديان». وتنشأ العلاقة بين طرفى هذا المعادل على أساس المبدأ الذى استلهمته ثورة 1919 حين رفعت شعار «الدين لله والوطن للجميع».

2 ـ الخروج من سجن التاريخ: فالسجال الدائر بين المسلمين والمسيحيين فى مصر يجب ألا يحيل كثيرا إلى التاريخ، ويركز، بدلا من ذلك، على الحاضر المعيش. وهذا المنحى يرفع المسؤولية عمن يعيشون الآن وهنا، عما جرى فى القرون الغابرة، فلا يطيل المسيحيون فى الحديث عن اضطهاد لحق بهم بعد دخول الإسلام مصر، ولا يفتش المسلمون عما ارتكبته الكنيسة فى حق الوثنية المصرية بعد دخول المسيحية مصر، ويتيهون على المسيحيين بإنقاذهم من ظلم الرومان واضطهادهم الشديد. ورغم أن التاريخ ملئ بالمواقف المشرقة والمشرفة للطرفين، فإن الاكتفاء بها لا يفيد فى الوقت الحاضر. وعلى النقيض يؤدى استدعاء المواقف المشينة من ذمة التاريخ إلى تأجيج الوضع الراهن.

3 ـ الاعتراف المتبادل بالمتجاوز: أى أن يقوم المسلمون بالاعتراف أن بينهم متطرفين فى تصوراتهم واعتقاداتهم، ينظرون إلى المسيحيين على أنهم «كفار» ويسعون إلى معالجة هذه المغالاة، وهذا القصور فى الفهم. وعلى الجانب الآخر، يعترف المسيحيون أن بينهم متطرفين ينظرون إلى المسلمين على أنهم «هراطقة».

وهذا الاعتراف لا ينتظم أبدا فى محاولة من كل طرف لإثناء الآخر عن معتقده، بل يجب أن يكون بداية للبحث عن «التعايش الإيمانى»، وتعزيز المشترك الأخلاقى الذى يزخر به الإسلام والمسيحية، وتصحيح التصورات الخاطئة والمغلوطة عند فصيل من الحركة الإسلامية المسيسة التى لا تزال تتعامل مع المسيحيين على أنهم «ذميون»، وعند قطاع من المسيحيين ينظر إلى المسلمين على أنهم «غزاة». فلا معاملة أهل الذمة تصلح لنظام اليوم ولا المسلمون الموجودون فى مصر حاليا قدموا جميعا من جزيرة العرب، بل أغلبهم مصريون تحولوا من المسيحية إلى الإسلام، وبالتالى ففيهم من «القبطية» ما فى إخوانهم من المسيحيين.

4 ـ الفصل بين النص والممارسة: فالنصان القرآنى والإنجيلى يحملان من القيم ما يكفى حال التمسك بها لبناء تعايش مشترك واحترام متبادل بين المسلمين والمسيحيين، ولا يجب أن يتحملا ما يفعله الطرفان ببعضهما، فهذا من قبيل السلوك البشرى الذى يعد انحرافا عن مقاصد الأديان وغاياتها. وبالتالى فإن الحاجة تصبح ماسة وملحة للرد على التأويلات الخاطئة للنصوص.

5 ـ العلمانية الجزئية: وهو التصور الذى يقوم على أساس قاعدة أن «فصل الدين عن السلطة ضرورة، وفصله عن الحياة جريمة». وهذا معناه ألا تحاول الكنيسة لعب دور سياسى، فهذا خارج اختصاصها وفوق طاقتها، ولا تستمر «الجماعات والتنظيمات الإسلامية» فى «تسييس الدين». والبديل لهذا هو «تديين السياسة» أى منحها إطارا أخلاقيا، نحن بأشد الحاجة إليه لمواجهة الفساد والاستبداد. وهذه مسألة يجب أن تسن لها قوانين وتشرع لها شرائع وضعية.

6 ـ تغيير السياق العام: فكثير من المثقفين وأعضاء النخبة السياسية والاجتماعية من المسلمين والمسيحيين، على حد سواء، يرون أن حل مشكلات مسيحيى مصر، لن يتم، على الوجه الأكمل، إلا فى إطار إصلاح سياسى شامل، تستقر فيه قواعد دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على مبدأ المواطنة وتداول السلطة، وتفتح الباب أمام حرية التعبير، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية، وحقها فى العمل بين الجماهير، وتعبئتهم خلف برامجها السياسية، بدلا من تركهم يعودون إلى انتماءاتهم الأولية، ومنها الدين والعشائرية والوضع الجغرافى، لاستخدامها فى المجال السياسى.

7ـ الأرضية الوطنية: فأى مشكلة للتعايش بين المسلمين والمسيحيين فى مصر يجب أن تحل على أرضية وطنية، وبأجندة مصرية، ويشارك فيها مصريون. فالاستقواء بالخارج، أو حرث الأرض أمام تدخل أجنبى، سيقود إلى نتائج غاية فى الخطورة، سيتأثر بها المسيحيون المصريون قبل المسلمين. فلا الأجنبى بوسعه أن يحمى أحدا، ولنا فى تجربة مسيحيى العراق بعد احتلاله عبرة وعظة، ولا الخارج من الممكن أن يضحى بمصالحه من أجل أحد، ومن يعتقد فى غير ذلك واهم.

التعليقات