من الجنس إلى إسجاد الملائكة.. هل حقًا نستحق ما وصلنا إليه؟

من الجنس إلى إسجاد الملائكة.. هل حقًا نستحق ما وصلنا إليه؟

الجنس -في أحد تجلياته- خوفٌ عارمٌ من الفقد والوحدة، ورغبة في التعشق في الآخر، وإيجاد سكن ومأوى وامتداد ومساحة حرّة خارج المألوف.

واللذة التي تتحقق من خلاله وردةٌ تنبت وسط صخر ميِّت، وصرخةُ حياةٍ في مواجهة ملل مقيت واعتياد حقير يحاوط بالثلج كل أوقاتنا، ومضادٌ حيويٌ لكثيرٍ من الأمراض الإنسانية اللي ابتلتنا بها الحضارةُ وجرّتنا إليها دون أي رغبة من جانبنا!

ولأنها ليست علاقة ميكانيكية بين أعضاء تناسلية لها نقطة بدء وانتهاء تُحددها قوانين الفسيولوجيا وعلم الأحياء، إنما حوارٌ صاخب بين إرادتين لإيجاد "الموجة" المشتركة وسط طوفان من الاختلافات والتباين، للعثور على "بُقّ مية" وسط هجير لا يرحم، و"ضُلّيلة" في صحراء قائظة تقتل بالظن وبالنية، تنهار بيوتٌ وحيوات لو اختل لديها هذا الجانب، أو تظل قائمة بشكل "كروكي"، على الورق فقط دون روح ودون جدوى.

لكن لأننا أجبن من الاعتراف بهذا، ومواجهة مشاكلنا بوضوح دون لف أو دوران، فإننا نختبئ وراء أسباب أخرى واهية نصدّرها للمجتمع كي نظل في نظره "مؤدبين" و"ولاد ناس"!

ولا بأس من إضفاء صبغة دينية استشهادية على الموضوع، والتلويح بالعيال ومستقبلهم وعظمتنا النفسية إذ ننحاز لهم على حساب سعادتنا الشخصية! لنظل بعدها 24 ساعة نتحدث عن كل شيء في الدنيا، إلا الشيء الوحيد الذي نتحرّق شوقا للحديث عنه!

مع أننا لو اشتكينا من ألم الأسنان أو نزلة البرد أو الصداع، نذهب إلى الطبيب، لو أحسسنا بهبوط أو اختل نظام أكلنا ونومنا، نُهرع لطلب المساعدة، لكننا نتعامل مع الجنس بحساسية مُفرطة تقعُد بنا عن إدراك مقاصده وفهم غاياته، كالذي يخاف من الدم وهو يجري في عروقه، والذي يتصور أن الشمس ستختفي بمجرد أن يُغلق عينيه عنها!

إحساس العار والعيب والـ"مايصحش كده" والوصم المجتمعي جعلنا منزوعي الدسم، بلا أيدلوجية ولا خطة طوارئ لمواجهة اختبارات الحياة الصعبة، "عرايس ماريونيت" يحرَّكنا كل من مَلَك في يده الخيط دون أن نفكِّر مرة في الثورة عليه واسترداد قدرتنا على الحركة الذاتية والفعل.

والكلام عن الجنس ينسحب على كل شيء تقريبًا في حياتنا نرفض مواجهته بشجاعة، ونفضَّل الاختباء منه وتسميته بأسماء أقل حدة وتصادمية مع المجتمع، وصولا لازدواجية مرعبة تجعلنا بعد قليل بُوقَا لترديد سيل من العبارات المُؤسية المرعبة في الوقت نفسه:

-  عايشين والسلام.

- الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.

- أهي ماشية.

- هناخد زماننا وزمن غيرنا؟

- ربنا بس يقدرنا ونربي العيلين!

لقد تشيَّأنا –بإرادتنا- وأصبحنا كُتلا إنسانية، تتحرك من مكان إلى مكان بالقصور الذاتي ولرغبة محددة هي الانتهاء من مهمة ما قدرية اقتنعنا أنها هدفنا في الحياة، دون أن يُلزمنا أحدٌ بذلك!

لم نعد كأفراد موجودين بغير الإحالة إلى مسؤولياتنا، وما هو مفروض علينا تأديته، فيما اختفينا ككائنات حرّة فريدة متباينة خلقها الله لغاية أكبر وهدف أسمى، ولم يأمرها بالعمل طوال الوقت، وإنما مدَّ لها على طول الخط مسارات أخرى.

والله -يقينا- لم يخلقنا لهذا، عندما تحدَّدتْ الخطة الكبرى لنزول الإنسان إلى الأرض، وُضعت في الاعتبار فردانيته، واختلافه عن المخلوقات كافة، وتميّزه بما لم يكن لدى سواه، وهو ما ظهر فيما بعد في مشهد الإسجاد على سبيل المثال.

وحتى عندما رضخ الإنسان للشهوة –بحثا عن الخلود أو المعرفة أو ...- وأكل التفاحة، مُنح فرصة أخرى، لأن هناك قدرًا أكبر كان في انتظاره، لن يقوم به سواه.

فكيف، بعد كل هذه الخصوصية والإتاحة رضينا بالدَنيِّة في حياتنا؟!

كيف أصبحنا مسوخًا تسير على الأرض فاقدة الهمة والغاية والوسيلة لتحقيق كل ما تريد؟!

نتفرَّج على الحياة ولا نعيشها، ونطمع في ثواب الآخرة بعد أن آيسنا من الدنيا وما فيها؟!

أين نحن من "الإنسان" الذي نُصِّب خليفة لله الخالق؟

وكيف انتهَكنا وانتُهكنا حتى وصلنا إلى هذه المنطقة المظلمة من التاريخ الأرمد؟

مَن نحن؟

وماذا نريد من حياتنا؟

وهل ما وصل إليه بعضُنا (زواج، بيت، سيارة، أولاد، وظيفة... ) هو ما جئنا من أجله؟

هل الحياة رحلة استثمارية لامتلاك العقارات والعزوة وفقط، أم أن هناك مستوى محجوبا منها، أخفته عنّا بشريتنا المُغرقة في الطين ودونيتنا في تذوق النعمة؟!

المذابح التي ارتكبها الإنسان بدم بارد، الحروب التي أشعلها وجلس على قمتها، الخذلانات، النكوص عن نصرة الحق والانحياز للباطل، الخيارات الحمقاء، التخلي.. سجّل الأعمال الكاملة التي سنقابل بها الخالق، دون أن تكون لدينا إجابات مقنعة لأي شيء، ودون أن تكون لدينا فرصة حقيقية لتعويض أحد.. هل هذه هي الكلمة الأخيرة؟!

هل هذا هو المنتج النهائي الذي سنقدمه بين يديه جل شأنه؟

هل هذه هي النهاية التي تليق ببدايتنا؟

هل هذا هو الإنسان؟!

التعليقات