الجمود والانصهار

الجمود والانصهار

 

الحنين إلى الماضي قد يقود صاحبه في بعض الأحيان إلى التصرف خلافا لما هو متوقع، لأنه ربما قاده ماضيه إلى التصرف بمثالية أكثر مما يجب في مواضع ليس من المفترض التعامل مع أصحابها بهذه الطريقة، ويشبه ذلك تماما أن يتعامل بشئ من الجفاء في مجتمع تسوده الرقة في المعاملات، مما يحدث فجوة في قبول الأشخاص أو الشعور بنوع من القرب والألفة بينهم، على الرغم من احتمالية وجود صفات مشتركة بينهم، بالتأكيد هم يجهلونها عن بعضهم البعض، ويحتاجون إلى من يمد لهم جسور التقارب والتواصل حتى يتمكنوا من إقامة علاقات إنسانية ايجابية.

 

لكن الحاصل والذي تعاني منه من البيئات المتقاربة، سواء بيئات العمل أو البيئات الاجتماعية، أن بعض الأشخاص لا يستطيعون التخلي عن بعض الأجزاء من خلفياتهم الثقافية التي يضيرهم تركهم لها، ويظل كل عنصر من عناصر البيئة الواحدة يتصرف وفقا لخلفياته هو وحده دون الوضع في الاعتبار خلفيات الآخرين.
هذا الوضع يدعونا من جديد إلى مناقشة فكرة ما يعرف بالانصهار الثقافي، الذي آمن به البعض لدرجة الدعوة إلى تطبيقه على عواهله، إلى أن يحدث الذوبان الكامل بين كل عناصر هذه البيئة، ورفضه البعض إلى درجة الجمود الكامل المؤدي إلى نوع من التنافر والجمود وعدم قبول التعايش بصورة جماعية.
أظن أن كلا النموذجين من الناحية العملية مرفوض، لأن الأول أرخى الحكمة أكثر مما يجب وتنازل عن كامل ثقافته ورضي الحياة من غير هوية، فعاش متخبطا بين الثقافات متأثرا بآراء الغير تابعا لكل من حوله، إلى أن يجد نفسه في النهاية شخصا لا قيمة له ولا اعتبار لآرائه ولا وزن لما يقول، ربما يرضى عنه من يقلدهم مرة على اعتبار أنه يجاري فكرهم ونظرتهم إلى الحياة وينظر إليها من منظورهم الخاص، لكنهم سرعان ما يفقدون الثقة فيه ويرغبون عن التعامل معهم عندما يكتشفون أن ما يفعله معهم يفعل مثله تماما مع غيرهم وأنه مجرد إمعة يحتاج إلى من يقوده ويسير أمامه.
أما النموذج الثاني فقد تحجر أكثر مما يجب وعاش كمن يعيش في شرنقة يخشى الخروج منها ومخالطة الناس فأغلق على نفسه وعلى من حوله أبواب التطوير والتحديث والتجديد ووقف الوقت به عند زمن معين لا يريد أن يتجاوزه أو يتخطاه.
هذا الموقف الصلب المتحجر قد يحدث له أزمة مع المحيطين به ممن لا يشتركون معه في نفس الفكر ولا يتقاسمون معة الخلفية الثقافية، فيحدث بينهم نوعا من عدم التقبل أو الرفض المتبادل.
كلا النموذجين كان باستطاعته تلافي هذه السلبيات لو أنهم تراضوا أن تبقى لكل منهم خلفيته الثقافية وموروثاته الاجتماعية على أن يقتصر الذوبان فيما بينهم على التعاملات وتقبل ما يمكن أن نطلق عليه الثقافة التقنية التي تفرضها التعاملات مع التقنيات الحديثة.
التعليقات