لماذا يفجر الإرهابيون كنائسنا؟

لماذا يفجر الإرهابيون كنائسنا؟

ليس جديدا أن تستهدف الجماعات التكفيرية والإرهابية مسيحيى مصر، كما تستهدف بالطبع مسلميها من غير الذين يعتنقون أفكارها السوداوية، لكن المسيحيين صاروا فى عين عاصفة الإرهاب بطريقة أشد، وصورة أنكى، ومستوى فاق كل ما سبقه. فمنذ سبعينيات القرن العشرين وهذه الجماعات تضع فى حسبانها النيل من المسيحيين، وبدأت مسارها هذا بإثارة فتنة بمنطقتى «الزاوية الحمراء» بالقاهرة و«الخانكة» بالقليوبية (دلتا مصر)، وانتقل الأمر إلى استحلال أموال المسيحيين على يد ما تسمى بـ«الجماعة الإسلامية» فى صعيد مصر، باعتبارها «غنائم حرب» أو «جزية»، وهى أعمال سرقة عوقب من تم القبض عليهم من هذه الجماعات بأحكام ينص عليها قانون العقوبات المصرى فى جرائم السرقة والسلب والنهب.

ومع انكسار الموجة الرابعة للإرهاب بعد أن أطلقت هذه الجماعة «مبادرة وقف العنف» وتصالحت تكتيكيا مع الدولة لم يبق للمسيحيين إلا بعض المضايقات أو المشكلات الاجتماعية الاعتيادية التى تحدث بين حين وآخر جراء الاحتكاكات اليومية بينهم وبين المسلمين، وأغلب هذه المشكلة يحدث بين المسلمين أنفسهم، لكن المجتمع المصرى كان قادرا طيلة الوقت على تجاوز هذه المشكلات والفتن العابرة، والتى وقع أغلبها فى الصعيد، إلى أن وقعت حادثة كنيسة القديسين الإرهابية فى ديسمبر 2010، ليخرج المسيحيون ومعهم المسلمون فى مظاهرات غاضبة ضد السلطة وقتها، لأنها فرطت فى حماية الكنائس، ثم انجرفت هذه الحادثة مع خروج ملايين المصريين فى ثورة يناير، وبروز المشهد العظيم الذى جمع بين المسلمين والمسيحيين فى ميدان التحرير، ليحمى كل منهما الآخر فى أوقات الصلاة تحت هتاف: «مسلم ومسيحى يد واحدة».

لكن كل شىء تغير مع تصاعد النفوذ السياسى والاجتماعى لجماعة الإخوان وحلفائها من التنظيمات والجماعات المتطرفة والتكفيرية، فعادت مصر مرة أخرى لتشهد صعود ظاهرة التضييق على المسيحيين بل العمل على تجريدهم من حقوق المواطنة، فاعترض سلفيون ومنتمون لهذه الجماعات على تعيين مسيحى فى منصب محافظ قنا (صعيد مصر) ورضخت سلطة المجلس العكسرى الحاكم لهذا، ثم شهدنا حادثة هدم كنيسة بقرية «صول» التى تقع على بعد ثلاثين كليومترا جنوب القاهرة، ومحاولة بناء مسجد مكانها، وحرق كنيسة فى حى إمبابة بالجيزة، ليأتى مسار الحرق المروع بعد فض اعتصام الإخوان وحلفائهم فى ميدان «رابعة» حيث أضرم أتباع الجماعة وأنصارها النار فى أكثر من سبعين كنيسة فى صعيد مصر، ليقول الأنبا تواضروس يومها قولته الشهيرة: «كل الناس فداء لمصر» أو مقولته الأخرى: «نستطيع أن نعيش فى وطن بلا كنائس، لكننا لا نستطيع أن نعيش فى كنائس بلا وطن». وفى هذه الأيام عادت النيل من الكنائس بطريقة مختلفة، حيث يقصدها إرهابيون بزرع قنابل داخلها أو بأحزمة ناسفة، مثلما رأينا فى حادثة الكنيسة البطرسية فى ديسمبر الماضى، والحادثتين الأخيرين اللذين وقعا يوم الأحد الماضى فى طنطا عاصمة محافظة الغربية (دلتا مصر) والإسكندرية.

وأعتقد أن هناك ثلاثة أسباب تقف وراء هذه الحوادث الأخيرة، الأول هو الانتقام من المسيحيين بدعوى أنهم لعبوا دورا كبيرا فى إسقاط حكم الإخوان، مع أن أغلب الذين انتفضوا ضد الجماعة، وفاضت الشوارع بطوفانهم البشرى الرهيب، هم من المسلمين. والثانى هو إظهار السلطة الحالية بمظهر العاجز عن حماية المسيحيين، الأمر الذى قد يؤلبهم عليها أو يفتح بابا أمام حديث عن تدخل أجنبى لحمايتهم. والثالث والأهم هو ضرب الوحدة الوطنية المصرية، بما يؤدى إلى اضطراب سياسى واجتماعى، تنتظره الجماعات الإرهابية والتكفيرية بفارغ الصبر حتى تبدأ مسارها الدموى على غرار ما جرى ويجرى فى سوريا الآن. فالإرهابيون، الذين يقاتلهم الجيش المصرى فى سيناء، ليس بوسعهم أن ينالوا منه طالما أن الأوضاع الاجتماعية مستقرة وراء ظهره وحوله، أما إن حدث اضطراب سيتمكنون من مهاجمة قوات الجيش ومعها الشرطة فى كل مكان على أرض مصر، وهذا ما يحلمون به، ويعتقدون أن ضرب الكنائس هو أقصر وأيسر طريق للوصول إليه.

وتواجه مصر كل هذا بعوامل راسخة حافظت دوما على التماسك الاجتماعى بشكل عام، وبين المسلمين والمسيحيين بصفة خاصة، ومنها هبة الجغرافيا، حيث يتوزع المسيحيون على كل الأماكن، المدن والقرى والنجوع، ولا يعيشون فى منطقة جغرافية محددة مثلما هو الحال لأقليات فى بلدان أخرى، ومنها وحدة العرق، والموروث الشعبى، ومصالح السوق، والعقلاء من المسلمين والمسيحيين، وكفاح التيار المدنى من أجل المواطنة، وجهود الأزهر والكنيسة فى سبيل الوئام الاجتماعى. ويعول كل المصريين على هذا فى سبيل تفويت الفرصة على الإرهابيين لتنتصر مصر عليهم فى النهاية مثلما انتصرت فى الموجات الأربع السابقة للإرهاب التى شهدتها البلاد.

التعليقات