تحبني أم تعشق سريري؟

تحبني أم تعشق سريري؟
 
 
دعوني أبدأ مقالتي اليوم بمقطع من أغنية عبد الوهاب «عاشق الروح» والتي كتبها حسين السيد وتقول:
«وأبيع روحي فدا روحي/ وأنا راضي بحرماني/ وعشق الروح مالوش آخر/ لكن عشق الجسد فاني»
وهو المقطع الذي يتكرر دائما عندما نتحدث عن عشق الروح والحب العفيف الطاهر ونقاء السريرة، واختيار الشريك المبني على حسن النية.
ولكن هل كل حالات الزواج التي تحدث تكون بحسن نية؟
وهل يدرك الزوجان أنهما أصابا اختيارا صحيحا دون اختلاط الأمور بين الحب والرغبة في أشياء ومصالح أخرى؟
هل يفكر كل اثنين مقبلين على الزواج بأنهما من المحتمل أن يكتشفا بعد فترة أنهما فشلا في تحديد سبب ارتباطهما، متوهمين بأنهما عاشقين، غير مدركين بوضوح أنهما قررا الزواج فقط من أجل الإنجاب أو الجنس، والشكل الاجتماعي، أو تبادل مصالح مادية، وتحسين الدخل أو السفر؟
إذا سألت عشرة أشخاص عن الفرق بين الحب والإعجاب والجنس فمن المؤكد أنك ستحصل على عشر إجابات مختلفة، 
فتداخل وتعقد مشاعر الحب قد يصبح ضبابيا مع الأحاسيس الأخرى الممثلة في الإعجاب والشهوة والرغبة والاحتياج والطمع وغيرها.
ولأن الحب شيء غير مرئي لا يمكن رؤيته بعينيك، ولا نعرف كيف يحدث تحديدا وما هي قوانينه وشروطه، قد يحدث أن نتفلسف كثيرا مثلما نفعل مع الغيبيات والظواهر الميتافيزيقية فنعطي تفسيرات لا أساس لها من الصحة.
وتدور بخلدنا أسئلة وجودية محيرة مثل، لماذا أحببنا هذا الشخص بعينه دون الآخرين، وما هي الميزات التي جذبتنا إلى هذا الإنسان؟
أجاب علم النفس عن هذا السؤال إجابة غير مقنعة وأعتقد أنها غير شافية للكثيرين، وجاءت عملية جدا اختصرت انجذاب البشر في تلك المشاعر الغامضة المسماة بالحب وأرجعتها إلى التربية والتنشئة منذ الطفولة، حيث يتم غرس قيم الحب وأمور أخرى في حياتنا.
وشبّهت بعض دراسات علم النفس إدراكنا لمن نحب وتحديد مشاعرنا تجاهه بنظرية الدومينو فأنت تسقط مثل قطعة الدومينو متأثرا بما قبلك مؤثرا فيما بعدك بالأفكار والعوامل الخارجية التي تخلق تصوراتك عن العادات والتقاليد والتجارب والحب أيضا. 
وبحسب علم النفس نقع عادة في الحب مع من يشبهوننا، والذين يشتركون في نفس المصالح والقيم والرغبات لأن تلك هي الأشياء التي تعطينا الإحساس بالهوية، فالشخص الذي نختاره عادة ما يكون انعكاسا لأنفسنا.
لكن وبخلاف الرؤية التي تؤكد أن الحب يجمع المتشابهين ففي قصص حب كثيرة نصادفها، نماذج تجمع عشاقا بينهم اختلافات شاسعة وفروق كبيرة، قد تلغي تلك الاختلافات وجهة نظر علم النفس السابقة، فالحب يحدث بين الغني والفقيرة والعكس، ويحدث بين اثنين تفصلهما سنوات وعقود من العمر، ويقع اثنان في الغرام وبينهما مسافات وجبال وبحار وقد يحدث بين اثنين لا يتحدثان نفس اللغة، يحدث الحب بين عاشقين مختلفي الديانات، وقد يحدث بشكل شاذ بين رجلين أو امرأتين، أو بين شريك وسيم والآخر دميم بلا أي ميزة شكلية أو مادية والعكس، فعواطف الحب الحقيقية من أكثر أسرار الحياة غرابة والتي لا نعرفها حتى الآن.
لهذا السبب اجتهدت أبحاث كثيرة  لترجمة التناقضات بين الحب والشهوة والإعجاب في الحالات المختلفة، وحددت دراسة فقيرة وعقيمة نشرتها مجلة العلوم النفسية، ما إذا كان الشخص يشعر بالحب أم الشهوة الجنسية من اتجاه. نظرات عينيه، فإذا ركز الشخص على وجه من يحبه فهو عاشق وإذا نظر لمناطق أخرى في الجسد فهي شهوة جنسية.
أصف تلك الدراسة بالفقيرة، فنحن بديهيا بالفطرة نعرف من يحبنا إذا راقبنا اتجاه نظراته، ذلك وإلى الآن لم يكتشف أحد سر هذا الشيء الخيالي الذي يتحكم بحياتنا، نحن بحاجة للفهم العميق، ليست مجرد تصرفات، أو كيمياء، نتائج تلك العناصر التي تفيض من الدماغ لتسبب الحب.. كيف تحدث وما هو محفزها؟
يعرّف الفلاسفة ومن خاضوا تجارب الحب أنه متنوع الأهداف‏ والغايات والطرق والأشكال وقد تختلط الأمور فيه.
ونحن حينما نرتقي نسّمي الانفعالات النابعة من الروح بـ«مشاعر» أما الانفعالات الحسية المتعلقة بالجوارح هي «أحاسيس» مرتبطة باللذة والألم، ولكن غالبية الناس يخلطون بين هذا وذاك فلا يستطيعون التفرقة بين نوع من الشعور أو الإحساس‏،‏ والمنطقة الرمادية بين هذا التباين والاختلاف.
يبدأ الحب بميل نحو الآخر، بجاذبية تدفعنا للاقتراب إشارة تحثنا على الراحة والرغبة في شيء ما لدى الحبيب، قد يكون الجمال أو المال أو السلطة أو الشهرة، أو الجنس، أو لا شيء محدد، هذا الميل هو نوع من الحب لكنه مرهون بميزة لو اختفت يختفي الحب.
ويختفي الحب في الحالات السابقة إذا اختفت تلك الميزات أو في حالة حدوث الإشباع، يصاب ساعتها  المحبون بالفزع والهلع عندما تنتهي قصصهم، ونراهم يصرخون يبكون الفقد والخيبة الكبرى التي أصابتهم بعد أن آمن بعض منهم بأن الحب لن ينتهي، غافلين بأن ما لديهم قد انتهى أو أن المحبوب قد ارتوى فولّى بغير رجعة باحثا عن صيد جديد.
النهايات التي تسدل الستار على الحب بهذا الشكل متكررة لأن المحبين ربطوا بين الحب ومزايا الحبيب، أما لو بقى الحب ولم يتغير بتغير الظروف وزوال المزايا فهنيئا لصاحب النصيب.
في حالات مختلفة قليلا قد يستمر حب مهلهل وزواج مترنح تحت غطاء الوفاء والصدق، والمثالية، والصبر في حالة أن الاثنين أو أحدهما اكتشف أن هذا ليس ما يريده فيصبر، ولكن بماذا ينفع الصبر والوفاء في حالة ارتباط شريكين أحدهما لم يعد يحب الآخر، هل ستجدي نظرية الحب الأفلاطوني؟
وهي أيضا إحدى الأساطير التي لا أجد من ورائها طائلة، فما معنى أن نحب شخصا في المطلق وأن نعشق الروح ونتجاوز الجسد إلى أطياف سارية لا تعترف بحدود الزمان والمكان وقيود الجسد الفاني الذي لا يتسع للحب!
في الماضي كان يأسرني مثل هذا الكلام المثالي، تصور رائع عن الحب الذي يتسع باتساع العالم، لكن أرى من وجهة نظري أن الحب بهذه الطريقة هو نوع من الشطح العقلي أيضا، حيث أنه ليس موجها ومن الممكن أن يتهيأ للعاشق الأفلاطوني كل خمس دقائق أنه وقع في الحب، لأنه يعشق حالة وقوعه، يستمتع بالأعراض التي يشعر بها، ولا يحب شخصا محددا.
أعتقد أنني حذوت حذو من قبلي ولم أصل لنتيجة حول «ماهية الحب» مع إيماني بأنه عطاء متبادل وشعور متوازن، لا يمكن تصور الحب بلا جنس أو الجنس بلا حب، فتجربة الحب تتسع لكل شيء مع الحبيب، حب وجنس ومرح، حياة متنوعة، ولكنها مستمرة بعكس الحب الوقتي وأزعم أن وسائل التواصل الاجتماعي قامت بالواجب وأستغرب الذين مازالوا عاجزين عن اكتشاف المشاعر الحقيقية وسط الزيف حتى الآن.
 
 
 
 
التعليقات