أم كلثوم: عندما تغني لك وحدك

أم كلثوم: عندما تغني لك وحدك

كثيرًا ما تتغير آراؤنا، كلما نضجنا واختبرتنا الحياة كلما تغيرت لدينا الرؤى. ما كنا نُنكر وجوده فيما بعد نقسم للآخرين على وجوده وأننا رأيناه بأعيننا وتذوقناه بألسنتنا، من كنا نكره آرائه نصبح بعد ثماني سنوات نتابع كلماته وتغريداته ونلعن آخر كنا نؤيده فيما سبق، ليس جنونا ولا موضة نتبعها، بل هي الحقيقة تنجلي. قد تراودنا الشكوك بعد تغير الآراء، ونظل نراجع أنفسنا، وقد نتغير لرأي آخر جديد مغاير للقديم وللحديث، ولكن في حالة حب أم كلثوم فعندما تصل لهذه المرحلة لن تراجع ولن تأتيك الشكوك.. ستصل وتركن نفسك لهذا الحب.. ستكون علقت تماما عند أغانيها ولن تحب الفرار، فالمصيدة مريحة فيها كل الإجابات، صدقني.

مشهد 1

بينما هي تتجاوز باب مكتبها في الدور الثامن، تُلقى بحقيبتها عابسة، تفكر فيه مثلما تعودت كل صباح منذ فارقها بلا سبب واضح. بينما تجلس على كرسيها أمام شاشة اللابتوب. تتعلق بها عينان تتابعانها منذ الدخول والجلوس. هو، يتابع بعينيه كل لفتة.. ماذا ارتدت؟ كيف سيتحدث معها ككل يوم؟ وهل سيظل يلف ويدور أم سيحسم الأمر ويفاتحها؟ يرتعب من الفكرة " لا لا ..مش للدرجة دي "، هو فقط سيُلمح، يهدأ مجددا بينما يلمح خصلة من شعرها نفرت بعيدا عن باقي السرب ويبعث لها سلاما.

في نهاية اليوم يميل بجبهته على زجاج الشباك في الكنبة الأخيرة بميكروباص في طريقة للمنزل.. ويستسلم للصوت المنبعث من راديو السيارة "غلبني الشوق وغلّبني".

مشهد 2

في شرفته يجلس منذ ساعات، تحديدا منذ غروب الشمس يتابع المارين أسفلها، يستمع لضحكاتهم وسُبابهم.. يستمع لحياتهم بينما حياته متوقفة، لا أحد يعبر لإلقاء التحية.. توقف العديد ممن يسمون أنفسهم أصدقاء عن السؤال، ومع الوقت لم يعد هناك من يطرق بابه، ربما هو السبب أيضا.

يعترف الآن بأنه حقا أحب الوحدة وأحب متابعة الآخرين من بعيد، يستمتع بدور المراقب، لم يعد يعبأ به أحد، لم يحاول أحد أن يُخرجه من هذه الحالة، ولا أن يبذل مجهودًا معه، فهو لا يمثل أي فارق لأي إنسان، بينما كان إنسانا مُراعيا للآخرين، يفكر الآن: كيف لم يفتقده أحد في جلساتهم على المقهى أو في إحدى حفلاتهم؟.. حقا كان من الأفضل أن ينسحب من دائرتهم، وهاهو الآن يجلس لا يتذكر منذ متى، ولا يريد أن يتعامل مع انسان.. يكفيه صباح الخير التي يقولها لزملائه صباحا في العمل بطلوع الروح، تنساب إلى أذنيه نغمات وصوت محبب لقلبه، يبتسم في براءة ستتعجب إذا أقتربت من حافة الشرفة ورأيتها.. فكل من يجلس وحيدا الآن وقد تجاوز الخامسة والثلاثين فهو بالتأكيد شخص طيب: " أطاوع في هواك.. قلبي".

مشهد 3

تقفان في المطبخ، ترتكن إحداهما لحافة الطاولة تدخن سيجارة، بينما تصنع الأخرى القهوة لكليهما وتبدو أنها صاحبة البيت.. لا تتحدثان كثيرا، فلا يفيد الكلام أحيانا كثيرة كما أن كل واحدة تعرف تماما ما تريد الأخرى وبم تفكر وتدرك محل الوجع، التي تدخن القهوة تفكر في طليقها، خاصة وأنها تطلقت حديثا، هناك في عقلها تُعيد القصة مرارا علها تجد العيب، حتى الآن لا تعرف لماذا؟ سألته كثيرا لكنه كان يخبرها بأكثر جملة لزجة تُدار على ألسنة الرجال: " تستاهلي حد أحسن مني"، أصبحت تنام كثيرًا، ابتعدت عن الناس، ماعدا صديقتها التي لا تسأل كثيرا وتُسري عنها بحكاياتها المضحكة، التي تُعدّ القهوة وتحكي الحكايات المضحكة وتداعب أطفال العمارة كلها، وتنشغل مع أهلها في مناسباتهم ومشواريهم، وتتذكر كل مناسبة وتعد المفاجآت عندما تجلس وحيدة تقفز الحقيقة أمام عينيها: فالزوج خائن، يُجيد الكذب، يتفنن في الأنانية والإهمال. تُخبئ كل هذا بعيدا حتى عن نفسها، لا تريد أن تواجه شيئا.. ولا تريد أن تشارك همها مع أحد، فلا فائدة.. تصب القهوة وتدير مؤشر الراديو فيزداد الصمت بينهما حلاوة مفسحا المجال أمام النغمات والآهات ورائحة القهوة: "كان قربك هنا وحنية".

مشهد 4

يغلق باب التاكسي سريعا حتى لا يتوقف سيل المرور ويتعرض السائق للتوبيخ، وأيضا حتى لا يتأخر على لقائها، فقد أرسلت له رسالة أنها في انتظاره، وهذا هو أول ميعاد رومانسي رسمي بينهما منذ أن أخبرها بأنه يحبها، كان يفكر: نحن الآن حبيبان، لقد فعلتها، وود لو يُقبل السائق وكل ركاب الميني الباص المجاور، مبتسما يتذكر كيف حاول مرارا أن يتحدث معها وفشله المتكرر، وكيف أنتهى به الأمر وقد أخبرها كل شيء دفعة واحدة في جملة طويلة ثم تركها مسرعا دون ان يستمع لردها. وهاهو الآن في طريقه لها، تنتظره هو، هو فقط، خمسون حلما يتقافزون الآن على وسادة في رأسه، ألف قبلة يرسلها لها، سيناريو حياتهما سويا تم الأنتهاء من كتابته وسيتم عرضه بعد قليل على بروديوسر أحلامه، ينتبه للصوت يأتيه من راديو عال لموتوسيكل يمرق جواره سريعا يتجاوز الزحام. يضيف لخططه: شراء موتوسيكل مماثل حتى يستطيعا الطيران به سويا وسط الزحام. يدرك سذاجة الفكرة ولكن لا يبعدها من خططه.

" ده الهوى العطشان ف قلبي بيندهك "

مشهد متكرر:

تحدق كثيرا في سقف حجرتها وتجبر نفسها على الجلوس تمهيدا لمغادرته، لم يعد لديها سوى الوقت والأفكار والوحدة بعد أن فارقها الأبناء لحياتهم، لم تعد تستجدي زياراتهم ولا سؤالهم، غير غاضبة ولا حزينة، كانت حياتها صاخبة فيما مضى، في يوم مماثل كان تصحو باكرا تعد الحقائب والوجبات للمدرسة وتعد الغداء وتنظف البيت وتذاكر للأبناء وتذهب لعملها وتلتقي العائلة في أيام الجمع والأعياد، يمتليء البيت بالكلام ورائحة الطعام لا تنقطع الطلبات التي تلبيها ولا ينقطع الضحك، الآن الكل ذهب وبات المكان بارد هاديء. لم يعد لها سوى الراديو وصديقة من العمل، أصبحا يتقابلان كلما أرادا من بعد خروجهما من الخدمة " المعاش ". لم يعد لها شيء سوى أنتظار خبطات على الباب وسماع الست، أحيانا تشعر بأنها تغني لها وحدها وأنها – أم كلثوم – تشبهها كثيرا. سيدة وحيدة تناجي الليل، وحيدة مثلها بالرغم من كل من حولها ومن معجبيها ومن يتسابقون لتقبيل يدها ومن كل الأغنيات التي تنهمك في بروفاتها.. هي مثلها وربما كانت تجلس في سريرها كل يوم تحدق في سقف حجرتها.

" يمني قلبي بالأفراح وأرجع وقلبي كله جراح "

كلما كبرت كلما تماديت في حبها، دون أن أجهد نفسي في التفكير. أستسلم تماما لفعل الحب.

تسألني فريدة مؤخرا: " أنا مش باحب أم كلثوم دي.. مش حلوة، أنتي إزاي بتحبيها؟" أتذكر أن هذا كان رأي عندما كنت في عمرها، فأخبرها بيقين: " أما تكبري هتحبيها" ثم أُمسك بيدها لنرقص ما يشبه الفالس في المطبخ على صوتها تغني: " وصفوا لي الصبر لقيته خيال وكلام في الحب".

التعليقات