ثقافة الدوران في الطاحونة

ثقافة الدوران في الطاحونة

 

في رواية "الواجهة" ليوسف عز الدين الأديب والمفكر، الذي يختلط الخيال بالعلم في كتاباته القصصية المختلفة، يسرد لنا فكرة البحث المحموم الذي ننخرط فيه جميعًا منذ لحظة إدراكنا الأولي في الدنيا، وحتي يحين موعد إنتقالنا من هذه الحياة، في تلك الرواية يسعي البطل طوال اليوم دائرًا في الطاحونة، بالمعني الحرفي لكلمة الدوران في الطاحونة، لكي يتمكن من كسب جنيهات قليلة يسد بها رمقه ورمق زوجته بعدما تزوج، يعرف بطل الرواية أنه أتي إلي المدينة-والتي رمز الكاتب بها للدنيا- التي فتح عينيه ذات يوم ليجد نفسه فيها لكي "يبحث عن الحقيقة"، وهو لا يجد ترف الوقت الكافي لا للبحث ولا للتفكير، فهو مكلف كل يوم بأن يدور في الطاحونة ويلهب المشرف ظهره بالسياط أثناء دورانه فقط لكي يحصد في نهاية اليوم القليل من المال الذي مع تصاعد الأحداث لا يصبح كافيًا لتوفير الطعام مع إرتفاع الأسعار المستمر.

كثيرًا ما تستغرقني وجوه الناس، أنظر إلي الوجوه وأنطلق في الخيال في محاولة لنسج القصص والحكايات التي وراء هذه الوجوه والتي تختبيء في العيون، كانت تدهشني تلك القدرة الخارقة لدي البعض في أن تصبح كل أيامه هي مجرد نسخًا مكررة، لا يحمل أي يوم شخصية منفصله عن الأيام التي سبقته ولا عن الأيام التي ستليه، كنت أري أن الأيام هي الطاحونة التي نُربط فيها جميعًا، ونسير بتعاقب الليل والنهار الحتمي غير قادرين علي التوقف، ولا علي إيقاف حركة الزمن، فنسير في الطاحونة، كنت أنظر بإنبهار لأولئك الذين لا يغزوهم الملل ولا يعرف السأم طريقًا لقلوبهم رغم أن "ما نبات فيه نصبح فيه"، لكن الطاحونة تستغرقنا من جديد، فلا يعد مع كثرة الإلتزامات التي يجب علينا أدائها وتوفيرها لأنفسنا ولمن تقع مسؤوليتهم في رقابنا هناك ترفًا للتفكير في سطوة التكرار، تكرار الأحداث والأيام وحتي الشخصيات التي نتعرض لها في الحياة ونتعامل معها.

التكرار هو في ذاته طاحونة أخري، هناك أنماط من الشخصيات محددة في الحياة، لا يخرج كل من حولنا عن تلك الأنماط، ولا أنكر أن لكل منّا بصمة مميزو جدًا، وشيء ما جديد أتي ليضيفه في الحياة، حتي ولو كان هذا الشيء الجديد هو مجرد شعور أو إحساس نضيف طاقته المنطلقة منّا لطاقة الكون ثم نرحل، ولكن تظل السمات العامة لشخصياتنا لا تخرج علي أنماط بعينها، فتجد الإنتهازي وتجد النصاب وتجد المتسلق وتجد الصادق وتجد المخلص وتجد الأمين، أنماط عامة لن يخرج عنها أحد الشخصيات التي تقابلها أو ستقابلها في حياتك، وهو ما يُشعرك في وقت أن مسرح الحياة لم يعد قادرًا علي الإتيان بشخصية مختلفة جذريًا عن كل ما اختبرته بالفعل.

كذلك الأحداث كل شيء يسير وفقًا لمقدمات بعينها يؤدي إلي نتائج بعينها، فيما عدا بالطبع الأشياء القدرية، وهو ما جعل البشر يضعون مجموعة من المعادلات التي يستشهدون بها في حياتهم ويستعينون بها في تسييرها، فإذا قال لك أحدهم "ذاكر لكي تنجح" فهو يتحدث عن معادلة مدروسة ومنطقية ومجربة مئات المرات سلفًا، وعدم تحققها سيكون وفقًا لإستثناءات بسيطة جدًا.

تتحكم "الطاحونة" وتفرض سطوتها علينا، فننخرط في الجري المحموم لتوفير الاحتياجات، وننسي أن مهمتنا هي "البحث عن الحقيقة"، البحث عن الحقيقة الذي هو ربما جوهر العبادة في قلبك ونفسك، وهو الذي جاء في الأثر أن تفكر ساعة خير من قيام ليلة، تلك المهمة التي تستطيع القيام بجزء منها إذا وفرت لنفسك لحظات تنظر خلالها إلي السماء أو إلي البحر أو إلي الأشجار، لتشعر أن شيئًا ما بداخلك يرتوي، وأن جزء من ظمأ روحك يرتوي بالتأمل والنظر، تلك اللحظات التي يمكننا اختلاسها بعيدًا من الدوران في الطاحونة، والسياط التي تنهال علي ظهورنا – تلك التي يمكننا اعتبارها هي الرغبات والواجبات التي علينا أدائها- لكي نستمر في الدوران دون أن نتوقف لحظة لالتقاط الأنفاس.

التعليقات