الخليفة المتوكل الكاره للإمام على وآل بيته

الخليفة المتوكل الكاره للإمام على وآل بيته

 

إنه الخليفة العباسي العاشر ، اسمه أبو الفضل جعفر المتوكل على الله  بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي.

لما تُوفي الخليفة الواثق اجتمع نفر من كبار رجال الدولة، وتشاوروا فيمن يتولى أمور الخلافة، ووقع اختيارهم في البداية على محمد بن الواثق، وكادوا يولونه ويعلنون البيعة له، فلما أجلسوه وألبسوه ثوب الخلافة وجدوا فيه طفلاً صغيرًا لا يصلح للإمامة في الصلاة، فضلاً عن إمامة دولة وقيادة أمة، فرجعوا عن عزمهم، واختاروا "المتوكل" فبايعوه بالخلافة في 24 ذي الحجة 232هـ ، وهو اليوم نفسه الذي توفِّي فيه أخيه "الواثق".

المؤيدون لدولة الخلافة بإطلاق ، يعتزون بالمتوكل ويشيدون به وبعهده لما لمسوه فيه من ميل واضح لأهل السنة ، تجلى بوضوح في منعه القول بخلق القرآن الكريم ، وكتب بذلك كتابا قريء ووزع في كافة الأمصار ، وأنهى المحنة التي وقعت بسبب ذلك ، وفك الحظر المفروض على الإمام أحمد بن حنبل والذي منع بمقتضاه من مخالطة الناس والاجتماع بالعوام ، واستدعاه من بغداد وأكرم استقباله وضيافته ، ولم يكن يولي أحدا القضاء إلا بعد استشارته ، وكان تعيين يحيى بن أكثم قاضيا للقضاة مكان ابن أبي دؤاد ، قد تم بالتشاور بين المتوكل وبين ابن حنبل .

وقد بلغ من مكانة المتوكل عند أهل السنة أن قال فيه  إبراهيم بن محمد التيمي قاضي البصرة: "الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق قاتلَ أهل الردة حتى استجابوا له ، وعمر بن عبد العزيز ردَّ مظالم بني أمية، والمتوكل محا البدع وأظهر السنة" .. أما ابن الجوزي في كتابه ( مناقب الإمام أحمد بن حنبل) فيقول "أطفأ المتوكل نيران البدعة، وأوقد مصابيح السنة" .

والمتوكل هو أول خليفة يأخذ بمذهب الشافعي ، وليس صحيحا ما ادعاه البعض بأنه كان حنبلي المذهب ، ولعل الخلط في ذلك جاء كاستنتاج مغلوط للعلاقة الودية الطيبة بين المتوكل وبين ابن حنبل .

جانب آخر في سيرة وعهد المتوكل ، لا يحب مؤيدو نظام الخلافة أن يبرزوه أو أن يشيروا إليه - مجرد إشارة - وكأنهم لم يقرأوا عنه أو حتى سمعوا به .

في هذا الجانب الآخر من الصورة نجد المتوكل رجلا انتقاميا من الطراز الأول ، فقد أمر بالقبض على محمد بن عبد الملك الزيات وزير الواثق، وهو الرجل الذي كان  وزيرًا لأبيه قبل أن يكون وزيرا لأخيه ، ولكن المتوكل كان يصفي حساباته معه ،لأنه هو الذي رشَح محمد بن الواثق للخلافة بعد وفاة أبيه، فقبض عليه وصادر جميع أمواله وممتلكاته، وأخضعه للتعذيب البدني والنفسي ، حتى مات تحت وطأة العذاب، وهو من هو في الوضع والمكانة وعلو الشأن .

ونجده رجلا غير متسامح مع الآخر الديني ، فقد أصدر أمرا بأن يتميز أهل الذمة بلباسهم عن المسلمين ، كما أمر بهدم البيع والكنائس التي استحدثت بعد ظهور الإسلام !

ومن قراراته الغريبة والعجيبة ، هذا القرار الذي أصدره بهدم

قبر الحسين بن علي في كربلاء وكذلك المنازل التي حوله .

ولعل هذا القرار يعكس موقفا متشددا للمتوكل تجاه آل بيت النبي كما يقطع بذلك الشيعة والمتصوفة من أهل السنة ، بل ووصل المر إلى اتهامة صراحة بالنصب وهي التهمة التي تعني العداء لآل البيت الكرام .

وهناك قصة أخرى وردت في (سير أعلام النبلاء الذهبي) وغيره من الكتب المعتمدة ، و قعت في سنة 244هـ ،ومفادها أن المتوكل قد ندب  يعقوب بن السكيت الإمام في العربية إلى تعليم أولاده  ، فنظر المتوكل يوما إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت:من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟  فقال : قنبر ( يعني مولى علي بن أبي طالب ) خير منهما فغضب المتوكل وأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات.

وفي تعليقه على ذلك يقول الذهبي في ( سير أعلام النبلاء):

"وكان في المتوكل نصب نسأل الله العفو" .

أما ياقوت الحموي ، فيبرر فعل المتوكل بنسبة ابن السكيت التشيع! وهي التهمة الجاهزة دائما لكل من يحاول أن يعطي (آل البيت) بعض ما هو مفروض لهم من محبة وتقدير ، مع العلم أن ابن السكيت سني بلا جدال ، ويكفي دليلا على ذلك استدعاء المتوكل له ليقوم على تربية أولاده .

و في ( الكامل في التاريخ )  يقول المؤرخ الكبير ابن الأثير :

"وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ، عليه السلام ، ولأهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم ..

ويواصل ابن الأثير : "  وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث ، وكان يشد على بطنه ، تحت ثيابه ، مخدة ، ويكشف رأسه ، وهو أصلع ، ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنون : قد أقبل الأصلع البطين ، خليفة المسلمين ، يحكي بذلك عليا ، عليه السلام ، والمتوكل يشرب ، ويضحك ، ففعل ذلك يوما ، والمنتصر حاضر ، فأومأ إلى عبادة يتهدده ، فسكت خوفا منه ، فقال المتوكل : ما حالك ؟ فقام ، وأخبره ، فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكاتب ، ويضحك منه الناس ، هو ابن عمك ، وشيخ أهل بيتك ، وبه فخرك ، فكل أنت لحمه ، إذا شئت ، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه ! فقال المتوكل للمغنين : غنوا جميعا " .

تخيل أن يحدث هذا ؟ خليفة للمسلمين - حسب رواية ابن الأثير- يتتبع من يحب عليا بن أبي طالب ويأخذه ماله ويسفك دمه؟ وكأن علي هذا شيطان من شياطين الإنس أو عدو من أعداء الله والدين !

وتخيل أيضا ما تضيفه الرواية ، من أن المتوكل كان يتيح المجال لعبادة المخنث أن  يحاكي هيئة وزي علي كرم الله وجهه ويكشف رأسه ليظهر صلعته – وقد كان الإمام علي أصلع - ويرقص بين يدي المتوكل ساخرا ومستهزئا بعلي.. والمغنون يغنون:

قد أقبل الأصلع البطين.. خليفة المسلمين.

وهنا أختم بالسؤال : ما هو الموقف لو كان المتوكل - أو أي شخص غيره- قد سمح في مجلسه وبرضاه لمهرج من المهرجين أن يحاكي شخصية وهيئة سادتنا أبي بكر وعمر وعثمان أو أي صحابي آخر من الصحابة ؟ هل كان من الممكن أن يجد هذا الفيض من التسامح الذي لاقاه المتوكل ؟

أم أن المسألة ، لها وجه آخر ؟!

التعليقات