صارحني شكرا.. بتحبني ولا؟

صارحني شكرا.. بتحبني ولا؟

 

قبل أسبوع صادفني تطبيق "صراحة"، المنتشر عبر صفحات التواصل الاجتماعي، لأجد نفسي لا إراديا أدندن أغنية شيرين عبد الوهاب "حبيته بيني وبين نفسي/ ومقلتلوش على اللي في نفسي/ معرفش إيه اللي بيحصل لي لما بشوف عينيه".

وبفضول حاولت أن أستكشف ما هي الصراحة، التي سأعرفها من خلال هذا التطبيق، الذي يسمح لي بقراءة آراء الآخرين في شخصيتي دون أن أعرفهم، ودون أن أتمكن من الرد عليهم.

لا أخفي عليكم أعجبتني اللعبة، خاصة وأنا غير مضطرة للرد على الآخرين، ولن يسمح لي هذا التطبيق بالرد على الآراء الإيجابية، أو الشتائم، أو حتى اعترافات الحب الكثيرة التي أرسلها إليّ عاشقين فضلوا كتم مشاعرهم دون أن يفصحوا لي عن رغبتهم تلك وجها لوجه، وكما قالت فيروز "أهواك بلا أمل/ وعيونك تبسم لي، وورودك تغريني بشهيات القبل".

لكن على كل حال استفزني هذا للبحث عن مبتكر هذا التطبيق، والذي اكتشفت أنه شاب عربي، لتقودني هذه المعلومة إلى استنتاج آخر، وهو حقيقة نعيشها في منطقتنا العربية بشكل أكبر من أي مكان آخر، وهي العيش بأكثر من شخصية، وعدم القدرة على المواجهة، والتظاهر بسلوك وتصرف يختلف عن ما تحمله قلوبنا، فمن مجرد لعبة بزغ أمام نظري سؤال فلسفي عن كيفية التعامل مع الآخرين من جديد، فمئات الرسائل التي وصلتني من مجهولين، جعلتني أفكر في فلسفة جديدة للتعاطي. فهذا الذي أعرب عن رغبته الجنسية الشاذة، أنا لا أعرفه، لكنه قد يكون واحدا من القريبين مني، وهذا الذي اعترف بأنه يحبني، لكنه غير قادر على الاعتراف سيظل طيلة حياته يحبني في صمت لأنني لن أعرف، وقد يكون هذا الشخص في دائرة معارفي القريبة، وتلك التي وصفتني بالمتغطرسة، قد تكون واحدة تنافسني في مجال عملي أو أي شيء آخر.

ما أريد أن أوضحه هو أن كل هذا الكم من الاعترافات والانطباعات ورسائل الدعم والشتائم، التي جاءت من أشخاص يعرفون فقط أنفسهم أو يراقبون من بعيد، أثبتت حقيقة النفس البشرية، خليط من المودة والامتنان، الخوف، الخجل، الشر، الكراهية، الحقد، الرغبة في الانتقام، الحب، الرغبة الجنسية.

يمكن اعتبار "صراحة" إذن بمثابة طريقة إيجابية ممتازة لتفريغ الشحنات العاطفية الإنسانية مثل التداعي الحر لدى المعالج النفسي، ويمكن اعتباره أيضا "كرسي اعتراف"، ويمكن استخدامه في جمع معلومات مساعدة أيضا في الدراسات الإنسانية، وأيضا أداة بسيطة لضبط النفس، حيث أن المتلقي سيقرأ انتقادات سلبية وشتائم ولن يتمكن من توجيه غضبه نحو شخص محدد، وعوضا عن ذلك سيتجه لا إراديا لمراقبة نفسه لتقويمها نحو الأفضل، ويفتح أمامنا سبيلا للتفكير في الآخرين من حولنا وتقدير مشاعرهم، وقد يكون فرصة لأن نبحث في فهم السلوك الإنساني وإيجاد التفسيرات الصحيحة والملائمة له، لإحكام السيطرة على التصرفات المؤذية وخروجها عن المألوف، واتقان التنبؤ بما يخفيه الآخرين في محيطنا.

"صراحة" لم يكن لعبة لتمضية الوقت عبثا، لقد وضعني على الطريق لفهم ودراسة النفس الإنسانية، لأنتبه لمن حولي،  فمن يستحق الحب أعطيه حبا، ومن يطمح لاستغلالي سأحذر منه.. فلا تتفّهوا من الأفكار البسيطة، فقد تفتح آفاقا أوسع، وشكرا للتكنولوجيا

التعليقات