عن عشق الصحافة وكتاب «أنا» للعقاد

عن عشق الصحافة وكتاب «أنا» للعقاد
"كلا .. لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لازداد عمراً في تقدير الحساب .. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الانسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب." هكذا يقول الأديب والمفكر الصحفي والشاعر المصري مواليد محافظة أسوان والعضو السابق في مجلس النواب المصري عباس محمود العقاد، في كتابه "أنا"، وهو الكتاب الذي تناول فيه العقاد سيرته الذاتية وتناول حياته الشخصية بما فيها من صفات وخصائص ونشأة وتربية. 
كصحفيون نسبة كبيرة منّا لا تستطيع الإبتعاد عن الصحافة، لا نستطيع في أحيان كثيرة أن نكف عن العمل مهما أوذي بعضنا، ومهما عزمنا وعقدنا النية، تجد إحساسًا داخليًا يجذبك تجاهها كالعطش الذي يجعلك تسعي للحصول علي جرعة الماء وإن كان ثمنها كنوز الأرض، وكنوز الأرض هنا هي راحة البال وهدوء الأعصاب الغير متوفرين في مهنة تجلب لأبنائها الضغط والسكر وتقصف أعمارهم، حينما تفكر في الأمر لا تجد خير من كلمات العقاد مفسرة للأمر ومعلقة عليه، نحب الصحافة لأن حياة واحدة لا تكفينا. 
يقول العقاد "فكرتك أنت فكرة واحدة .. شعورك أنت شعور واحد .. خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك .. ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى، أو لاقيت بشعورك شعوراً آخر، أو لاقيت بخيالك خيال غيرك .. فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين، أو أن الشعور يصبح شعورين، أو أن الخيال يصبح خيالين .. كلا .. وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات من الفكر في القوة والعمق والامتداد. لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة .. ولكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني .. ومهما يأكل الانسان فإنه لن يأكل بأكثر من معدة واحدة، ومهما يلبس فإنه لن يلبس على غير جسد واحد، ومهما يتنقل في البلاد فإنه لن يستطيع أن يحل في مكانين. ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات في عمر واحد، ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل، وتتضاعف الصورة بين مرآتين”
الأمر نفسه منسحب علي الصحافة وعلي التعلق بها، فمن يقع في أسر عشق هذه المهنة لا تكفيه تجربة واحدة، لا تستطيع تجربته وحده في الحياة أن تروي ظمأه للخبره الحياتيه وتطوير قدرته الشعورية أو قدرته علي الإحساس بالغير أوالإلمام بمعطيات الحياة ومفرداتها، نعشق الصحافة لأنها تحول الناس أمامك من وجوه بعيدة عنك لا تستطيع أن تنفذ لأبعد من ملامحها إلي تجارب عميقة وأحاسيس مركبة ومشاعر معقدة، تنفذ إنسانيًا إلي بُعد آخر لا يضاهيك فيه إلا الأطباء النفسيين الذين يجيدون الاستماع والتحليل وتقديم العلاج.
نعشق الصحافة لأن هناك دومًا أماكن في نفوسنا لم نصل إليها بعد، وربما لن نصل أبدًا بدون أن نسمع لغيرنا، أن نعرف معاناتهم، أن نستكشف ما يسعوا إلي تحقيقه وما يؤلمهم وما يطمحوا إليه، فقط لأننا نشبه بعضنا البعض، فقط لأن أرضيتنا الإنسانية مشتركة إلي حد بعيد وإن كانت ثمارها مختلفة كل الإختلاف، لأن كل منّا يبذر في هذه الأرض ما يلائمه ويوائمه، استكشاف أرضك يتأتي إلي حد كبير ب "الاستماع" لغيرك، إذا لم تكن لديك مرآه ولم تري ملامح وجهك من قبل فإنك تستطيع أن تتعرف علي ما يحويه وجهك من عينين وأنف وفم وأذنين فقط إذا نظرت إلي وجوه من حولك. 
نعشق الصحافة لأن الكتابة "نداهة" لا تترك من استمع لصوتها ولو لمرة واحدة، ولا تقبل أن يُستبدل بغوايتها غواية أخري، ولأَن الإرث الذي يتركه الصحفي الذي يراعي ضميره ومهنته هو عمل صالح للاستفادة منه لسنوات قد تصل للمئات، وشجرة قابلة للإثمار لعقود، نرضي بالصحافة ولا نرضي بها بديلًا لأن الصحفي هو من يرسم لوحة ما يحيط به وينقلها للأجيال التي تليه، هو من ينقل تفاصيل لوحة واقعه لمن لم يراها، وهو الصوت أيضًا لمن يعجز أن يكون له صوت يُسمع غيره ويشكو به أو يتذمر أو حتي يتأوه، نعشق الصحافة لأنها في مبتدأها ومنتهاها مهنة نبيلة، رغم كل ما أصابها من الضمور والتشوه، ورغم أن هذا الضمور والتشوه قادر علي تحطيم نفسيات أبنائها والعلاج يكون دومًا أكثر تعقيدًا من الإصابة.
نحب الصحافة ونعود في ذلك لمقولة العقاد من كتاب (أنا) "وخلاصة التجارب كلها في الحب أنك لا تحب حين تختار ولا تختار حين تحب، وأننا مع القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت"!
التعليقات