بليغ ظالمًا لا مظلومًا

بليغ ظالمًا لا مظلومًا

"يالي رضاك أوهام" أتذكر هذه الجملة كلما سمعت قصة حب من طرفها المجروح، فكل علاقة حب - كما يذكر طلال فيصل في روايته "بليغ" – دائما ما يكون أحدهما يتعذب ويعاني، بينما يقول الآخر "آسف" ويكمل حياته بلا آسف حقيقي.. كلما سمعت شكوى، أو رأيت معاناة بعد انقطاع الوصل أردد هذه الكلمات من أغنية أم كلثوم، لأذكر نفسي بأن رضا الحبيب مجرد وهم يصنعه الأحبة المغفلون أرددها وأتذكر بين حواديتهم معاناتي.

( 1 )

في المطبخ نقف سويا بينما تصنع هي لنا القهوة. تحسم النقاش "صدقيني ده غلبان" تستفزني الكلمة التي قالتها بهدوء، وروية، كأنها تعرف ماذا تقول وتعنيه تماما "نعم؟ غلبان؟ مطلع عين أهلك ومش مهتم بك وعايز ينفصل عنك وانتي بتقولي غلبان؟" فتنظر لي بخبرة ليالي سهرتها ونقاشات خاضتها وانتظار وتعب وبكاء عرفته، نظرت لي نظرة الذي يُعلم للجاهل: "أيوه.. هو أصلا مش عارف هو عايز إيه. مشكلته أنه فاهم جدا وعارف علته ومشكلته أنه مش قادر يتعامل مع إدراكه ده ومشكلته دي مخلياه زوج فاشل وأب مستهتر. وده معذبه ومش عارف يتعامل معاه.. وده نصيبي" وهزت كتفيها باستسلام فينغلق النقاش.

تمر بي حكايات الآخرين، تترك علامات وخبرة ركيكة لكن حكاياتي أنا لا أقترب منها. أتركها جانبا ولا أسترجعها، لا أجلو عنها التراب، تتراص هناك منذ المراهقة جوار بعضها، تحمل نفس البدايات ونفس الملامح ونفس تسلسل التطورات، نفس النهاية.. بل تتشابه الأسماء.. أبتسم للمفارقة، هل كل شخص منا ينجذب لنفس نوعية الأشخاص؟ هل حقا ننجذب لنفس المرضى النفسيين أو المجروحين الذين يتعمدون إيذاءنا. كل مرة؟ كل حدوتة تكون أنت – الحبيب - نفس الشخص الذي يأخذ "خازوقا" محترما. عافاكم الله.. كيف تأتي هذة القدرة على الاحتمال؟ ومثلهم كيف أحتمل أنا؟ أتجاهل الإجابة على هذه الأسئلة كالمعتاد بطريقة التهرب التي أصبح أخيرا يجيدها لاوعيي. برافو عليه والله لاوعيي ده.. عسل! أحمل طبلتي وأشق غبار شارع فيصل إلي التمرين.. ثم يعني بذمتك "هو صحيح الهوى غلاب؟".

( 2 )

ربما هي المرة الأولى التي أسمع فيها هذة الأغنية وتدمع عيناي. فبينما كل كلمة حزينة - وهذا ما أدركه فقط الآن- فإن اللحن بإيقاع المصمودي البهيج – والذي أعرفه من دروس الطبلة التي أتلقاها – هذا الإيقاع لا يترك لديك شك أنها أغنية لطيفة شعبية. لن تلتفت إلى معاني كـ" قتلونا يابا" والذي يلقيه رشدي بنعومة فيها استسلام. هذا الهدوء والبهجة لم يمنعاني من تخيل الفتى "طلال " ذو الوجه القبطي في رواية "بليغ" وهو يبدأ حديثه للطبيب النفسي في المصحة بباريس:

"هل تعرف المطرب محمد رشدي؟ مغرم صلابة. قتلونا يابا. ده الحب قادر واحنا غلابة. العشق خدنا من بين صحابنا والليل صاحبنا ياليل يا عين. من يومها واحنا شايلين جراحنا غلابة يا احنا.. يا مجروحين! هذا هو المختصر المفيد للحكاية التي لا يبدو أحد مهتما بفهمها".

أراه جالسا في حجرة فارغة بيضاء على كرسي ينظر في ألم ويبدأ الحكاية. يفتح جرحه يهزأ منه ومن سذاجته. أم تراه هو أيضا تواطؤ معها وأوهم القلب. المشهد وكلمات الأغنية ستتركك حتما مفجوعا. من منا لم يكن في علاقة شاءهة.. يتخبط بين الفرحة والقنوط. المنح والمنع.. من منا لم يكن "طلال" يوما ما؟ ده الحب قادر.. انتبه هنا لدخول مدرسي في غرفة التمرين لنبدأ الدرس على إيقاع تتر مسلسل الضوء الشارد: إيقاع صعيدي وواحدة كبيرة وحليات بينهم.. أبتهج قليلا. أخبره "عايزين رقاصة بقى" فيضحك. وأتذكر دخلة إيقاع "متى اشوفك" مجددا، ده الحب قادر واحنا إيه؟ غلابة يا بيه.. برافو.

( 3 )

لم يكن بليغ جريحا ولا مهزوما كما صوره لنا طلال فيصل في روايته. ولم يكن كذلك زوج صديقتي.. لم أتعاطف مع كليهما، بل تعاطفت مع وردة وصديقتي. كل واحدة منهن أتت نفسها بسكينا وقطعت يديها بمجرد قبول الزواج بأشخاص مثلهما. هل تظن يا طلال أنك خدعتني حقا؟ لم يكن بليغ ضحية حبه ومطاردته لوردة ولم يضنه الحنين، هل نظرت للأمر من وجهة نظر وردة/صديقتي الزوجة؟ أعتقد أن أي رجل يطلب من امرأة الزواج يدرك ما يريده وما سيحدث، يعرف أن الزواج التزام ببيت ومسؤولية أبناء ومشاركة أوقات، مش ناقصة جنان أمه بقى. هي أيضا فنانة ولكنها كانت تظن أنه بطلبه الزواج يعرف ماستكون عليه الحياة. كانت تنتظر هذه الأشياء التي تأتي "كومبو" مع الزواج ولكنه خذلها وظل هائما لا يأتيها – مثل زوج صديقتي – إلا عندما يكون يريد هو ذلك، عندما يريد الجنس. عندما يريد أن يشعر بحبها.. عندما يريد أن يتواجد يفعل وعندما لا يريد يذهب، لكن ماذا عنها هي؟ ماذا كانت تريد ومتى؟ ماذا عن المكالمات التي لم يرد عليها؟ ماذا عن الضحكات التي ضحكتها وحدها أو كم أغنية سمعتها وأرادت أن يكون جوارها وهي تسمعها. كم رسالة ترددت في إرسالها لأنها باتت تعرف أنه لن يرد.

كيف يلوم طلال – على لسان بليغ – أنها وردة أجهضت نفسها مرتين وهو كان نفسه في طفل لا والله؟ بجد؟ وهو أنت يا أستاذ بليغ عاوز يبقى عندك طفل إزاي؟ مش قصدي بيولوجيا فانت كزوج صديقتي لا يجيد التواصل إلا في هذه اللحظات الحميمة ماشاء الله عليك. ولكن بعيدا عن دورك البيولوجي. انت أصلا زوج فاشل كنت هتبقى أب إزاي؟ بنفس الطريقة برضه. هي تبقى الأم والأب وحضرتك هائم في ملكوتك تتأفف من طلبها الأهتمام.. فأنت فنان عظيم نجم ليس عنده وقت لتلبية حقوق البيت الذي سعيت له وتبكي الآن عليه؟ انت اللي ظلمتها يا أستاذ بليغ. حرمتها من بيت وزوج حبته وأطفال كان نفسها فيهم. انت اللي ماديتهاش الأمان. انت اللي انحزت يا طلال لبليغ.. لا أنكر أن بليغ صعبان عليّ ولا أنكر إني تعاطفت جدا مع "طلال" اللي في الرواية لكن فيه فرق بين بليغ وطلال الرواية، فالأول حبيبته ماسابتوش وهو اللي كان بيوهم نفسه إنها مش بتحبه لأنها – على حد السرد في الرواية – كانت دائما ساهمة وغامضة. بينما الثاني قد تم استغلاله في مرحلة انتقالية لحبيبته الفرنسية، كان هذا واضحا تماما. حتى أنه كان واضحا لطلال الرواية أصلا.. كل الإشارات كانت تقول ذلك ولكنه لم يصدق إلا بعد أن رأى بعينه رسائلها لحبيبها الأول.. كل هذا الجمود والحساب في المشاعر معه ظهر على العكس تماما في هذه الرسائل لحبيبها: الاستجداء والهوان والاستعطاف كل هذا كان الدليل القاطع الذي غار في قلب طلال يفيقه بعنف من الوهم، كيف بك يا طلال أن تساوي بين الإثنين؟ بليغ أحب نفسه بينما طلال الرواية ترك نفسه لعبة لحبيبته وجزء منه يدرك الوهم ولكنه لا يريد الاعتراف..

( 4 )

الفخ الجميل. الحفرة المزدانة بالورود على حوافها تصدح من أعماقها الأغاني الجميلة، نقف أمامها ثملين بعطر لا نعرف من أين يأتي.. يسري في عقولنا مخدر فينمعنا التدبر والتروي، نلقي أنفسنا وتتحول في نهاية الهاوية الخوازيق ونتهاوى بين أيدي الشك والحيرة.. تنتهي البدايات سريعا تأخذ نفس الوقت حتى وإن كانت امتدت لشهور أو لعشرة أيام هو نفس الوقت ونفس الحلاوة ونفس النهاية ونفس التساؤلات: ماذا اقترفت؟ هل أظهرت مشاعري سريعا بدرجة أخافته؟ هل اكتشف إنني غير مناسب؟ هل كان يستغلني؟ هل يكره ضعفه معي؟ أبعث له رسالة أسأله؟ هل أستطيع أن أتجاوز؟ هل أريد حقا أن أتجاوز؟ هل سيهاتفني مجددا؟

ثم تصل لمرحلة أخرى. وهو الرضا بأي شكل للعلاقة حتى وإن تم استغلالك أو اعتبارك مرحلة انتقالية انت راض تماما المهم أن تبقى على تواصل.. ستصل للقاع وانت راض. هانئ سعيد.. ثم يحدث انفصال نهائي هذة المرة ستجن، وتشعر بأنك تائه ساذج تتأرجح بين الشوق واللعنة، سينتهي كل شيء وتبقى الأسئلة، الكثير منها وستدعو الله مرارا حتى تسترجع يوما واحدا كنت فيه عبيط فالعهد كان جميلا.. عازل وحسود والبال مشغول.

( 5 )

حدوتة بليغ ووردة يحكيها طلال مرتين، مرة من وجهة نظر وردة وكيف جرحها وعذبها ومرة أخرى من وجهة نظر بليغ وهي الرواية الأقرب لطلال الكاتب والتي يبدو متعاطفا معها بوضوح لربطه بين بليغ وطلال الرواية في الكثير من المواقف. أمامي طلال مُدان بالانحياز لبليغ.

صديقتي، طلال الرواية، سليمان العطار، أحمد رامي.. وآخرين: كلنا كلنا.. في الحب سوا، ندرك ما يجري، والهوى اه منه الهوى لسنا سذج مغفلون.. نترك أنفسنا نقع في الوهم بكيفنا ونقول لأنفسنا مبررين "ما على العاشق ملامة"

لكن يا طلال دعني أسألك: هل مشاعر بليغ تجاه وردة حب؟ هل طلبها الطلاق معناه إنها لم تحبه؟ هل عذاب بليغ معناه إنه أحبها؟ دعني أتواطأ معك وأفكر: ربما أحبها لكنه كان غبي؟ طلال.. حب إيه اللي انت جاي تقول عليه؟

التعليقات