العرض المسرحي «قمر العميان»

العرض المسرحي «قمر العميان»

 

غياب الناصح الأبداعي
 
لا يغني الطموح عن الجودة ولا تشفع الرغبة عن الاتقان ولا تحل النية الحسنة محل المتعة الفنية هذه هي القواعد العامة التي على اساسها يمكن أن يتسم التلقي ببعض الموضوعية وكثير من التشوف للحصول على نصيب الذهن والمشاعر من الأشباع الفني المفترض.
في عرض"قمر العميان" للمؤلف على ابو سالم والمخرج الشاب محمد سليم يمكن ان نرصد بسهولة الطموح والرغبة في انجاز عرض ذو حيثية فنية والنية الحسنة في طرح حكاية ذات عمق وتفاصيل ودلالات راقية رغم نمطيتها وفقدانها لبعض من صفات المتانة الجمالية المنتظرة سواء على مستوى الشكل او المضمون.
هذا عرض يطرح بشدة سؤال الغياب غير المفهوم لعنصر هام من عناصر العملية الانتاجية بمفهومها الأبداعي وهو غياب مكرر وغير مبرر في نفس الوقت ونعني به غياب "المنتج الفني" أو بصياغة اقل تخصصا "الناصح الأبداعي" ان صحت التركيبة وظيفيا – مع كامل اعترافنا بذاتية الأبداع وفردانيته- .
الناصح الأبداعي هو العنصر المفترض أن يكون منوطا به دعم العملية الفنية بالخبرات والأراء والعين الأخرى، بل والشكوك والتساؤلات التي لا تكتمل بدونها التجربة الفنية، خاصة إذا كانت تجربة لا تزال في طور التشكل، والبحث عن الذات، والصوت الخاص، من قبل المخرجين الشباب اصحاب الهمة الوجدانية التي تريد أن تستعرض كل الأساليب، وتستغل كل الامكانيات المتاحة حتى ولو لم تتصل تلك الأساليب شكلا أو مضمونا مع الفكرة الرئيسية للعرض او طبيعة الحكاية نفسها.
ان تجربة قمر العميان الطموحة كان ينقصها مثل كثير من تجارب شباب المخرجين رؤية منتج فني أو ناصح ابداعي صحاب مخزون حقيقي من الخبرات التي يجب ان تستثمر لتلافي النواقص التي يسببها الطموح الشديد والاندفاع لتقديم كل ما يجول في الخاطر وتوفره امكانيات الانتاج.
لدينا في قمر العميان نص شعري من الدرجة الأولىن ولا نقصد بالشعرية هنا تلك الغنائية الشكلية او الحوار المتشكل من اوزان وقوافي ولكننا نقصد شعرية الحوار وقوة الصور اللغوية واتساقها مع الفكرة العامة وطبيعة الشخصيات والبيئة الزمنية الخيالية التي تدور فيها احداث الدراما.
لدينا مملكة تقع في مكان لا وفي زمان ما قديم يحكمها ملك قوي لكنه يتعرض للقتل بالسم ومن بعده يعتلي كل من العرش والأميرة – كبرى بنات الملك- غسان سائس الخيل الذي يصعد من حضيض الحظائر إلى حرير السلطة بايعاز ومساعدة حبرون حكيم القصر الذي يحتل هو بعد ذلك مكانة العشيق لدى الاميرة بينما يسعى لفرض سيطرته على المملكة على اعتبار انه ممثل للقوى الخارجية المتآمرة على عرش المملكة من اجل ان تحتفظ بتبعية المملكة لمصالحها الخاصة دون اي اعتبارات لتآوهات الشعب وجوعه وفقدانه البصيرة التي تجعله لا يفرق بين القمر الحقيقي والقمر الكاذب الذي يساهم حبرون واعوانه من وزراء القصر الفاسدين في صياغته كي يضمنوا تغييب الشعب.
كما هو واضح فأن التيمة الرئيسية تحمل الكثير من الدلالات السياسية الواضحة والصريحة بل والمكررة، خاصة فيما يتعلق بفساد بطانة الملك ووجود عميل من الخارج داخل اروقة السلطة يحرك الخيوط ومحاولة تغييب الشعوب لضمان صمتها عن اي شكوى تؤرق سرير الحاكم، لكن النص يتجاوز بعض من تلك النمطية عندما يمرر لنا بعض التفاصيل والأفكار المغايرة قليلا مثل اعتداء الملك على الاخت الصغرى لزوجته ميسون والتي تدعى شدا وهي الوحيدة في المملكة المظلمة التي ترى نور القمر نظرا لما تتسم به من براءة غائبة عن باقي الاخرين.
ومثل انهيار الحلم بقدوم المخلص(يحيى) ابن الملك الصغير وولي العهد المختفي منذ ان تولى غسان العرش، وفكرة انهيار حلم المخلص هي واحدة من الأفكار الطازجة التي تتناسب كثيرا مع السياقات السياسية والمتغيرات الزمنية الحديثة التي قلصت من مساحة الاحلام والأمال العريضة في قدوم ذلك الناهي للشر ومحطم اصنام الفساد والسلطة الغاشمة، فالحديث عن المخلص اصبح ترفا لا يليق بشعوب تعاني ويلات الحروب الأهلية والثورات الفاشلة والعمى الاخلاقي والتطرف الديني.
ربما ابرز ما يقدمه النص في خلاصته أن شارة النجاة بداخل كل فرد من الشعب وليس في فرد بعينه سوف يأتي من رحم الغيب رافعا سيف الحق وراية العدالة، ان يحيى الضائع منذ وفاة ابيه وزواج اخته ليس سوى وهم بالخلاص يروجه الكسالي من جياع الشعب وفقراءه انه قمر العميان الحقيقي والذي ليس له وجود، لان الأعمى لا يستطيع أن يرى القمر بل يخبره المبصرون عنه، وهذا الشعب قد تحول إلى قطيع من العميان وصار القمر بالنسبة لهم خرافة مزيفة لن تتحقق أبدا طالما لم يتحركوا لكي يزيحوا غشاوة الأنتظار عن اعينهم.
ولكن رغم تلك الخلاصة الفكرية الطازجة وتلك الدلالات الأخيرة المفعمة بروح الشعر والسياسية في نفس الوقت إلا ان النص اصيب في الكثير من المواضع باهتزازت درامية مربكة ولم يتمكن صناع العرض من الفصل ما بين التكثيف الدرامي والغموض فالخط الخاص بشدا واعتداء غسان عليها لم يخلص إلى نهاية محددة او لنقل إلى ذروة متماسكة مقترنة بالذروة الأساسية التي هي اكتشاف ان المخلص يحيى لن يجيئ وبالتالي بدا كل هذا الخط حملا شعريا بلا طائل على الأيقاع والاحداث خاصة مع وجود شخصية مثل رغد اخت ميسون وشد الوسطى التي تعاني من أزمة غامضة لا ندري هل هي عاطفية – تخص شعورها بالوحدة وافتقاد السند والحبيب- ام سلطوية تخص رغبتها في استعادة عرش ابيها من ميسون وغسان !
كذلك لم يفصح العرض عن سبب مقنع وراء قتل حبرون لميسون الملكة عشيقته قبل أن يهرب من المملكة لكي يذهب للسيطرة على مملكة اخرى حسب اوامر القوى الخارجية التي يعمل لديها! وكأن العرض لم يجد نهاية عادلة لميسون بعد خيانتها لزوجها إلا القتل الغير مبرر كعقاب اخلاقي وليس سياسي رغم أن الأطار العام لحركة ميسون في الاحداث كجزء من بلاط السلطة هو اطار سياسي !
بل اننا نستشعر انها ترفض تلك الامبالاة والخمول السياسي الذي يعاني منه غسان مما يجعله لعبة في يد وزير الداخلية صاحب الأسم ذو الدلالة( أمان) وحكيم القصر حبرون !
كذلك بدا الخط الخاص بتزييف حبرون للقمر من أجل تغييب الشعب وتضليله خطا غامضا خاصة أن الحديث دوما كان عن غياب الشمس واستحكام الغيوم في سماء المملكة بعد انتشار الفساد والظلم والقهر الذي دفع الشعب للثورة ومهاجمة قصر الملك وقذفه بالحجارة ! وما هي علاقة القمر المزيف بأخماد الثورة وتضليل الشعب ! صحيح أن المغزى الشعري ربما كان واضحا فيما يخص مسألة خداع الشعب ولكن يجب أن يتسق المغزى الشعري مع السياق الدرامي الواضح والمفهوم لأن حضور الدلالة وغياب السياق يؤدي إلى تشوش المتلقي وشعوره بعدم الفهم أو استيعاب المضمون ككل ! ومن شروط الطرح الصحي دوما أن يسأل صانع العرض نفسه لماذا وكيف ! لماذا اقدم تلك الدلالة وكيف اقدمها من خلال السياقن فيما يخص مسألة القمر المزيف تبدو الاجابة على السؤال بلماذا واضحة ولكن تغيب الأجابة عن كيفية هذا التقديم في سياق درامي واضح .
تبقى الأشارة ايضا إلى أن الحوار الشعري المفعم بالخيال والناضح بقوة الصور واللغة البراقة يحتاج إلى اسلوب ادائي وسياقات القاء تختلف عن اسلوب الحوار العادي الذي لا يعطره الشعر، فالمتلقي يحتاج إلى مساحة اوسع من الوقت لكي يستوعب الصورة الشعرية او تكوينات الخيال في الجملة الحوارية وبالتالي يجب أن يكون الأداء متسقا مع هذا الاحتياج الأيقاعي، خاصة أن متلقي المسرح لا يملك رفاهية القارئ الذي يمكن أن يستعيد الجملة قراءة لكي يستشف مواطن الجمال فيها ويستوعب مغزاها الدرامي اما المتلقي المسرحي صاحب الذاكرة القصيرة فإنه بدون اداء متمهل وايقاع تمثيلي متوازن سوف تفوته الكثير من جمل الحوار بينما هو لا يزال يستوعب أو يتذوق الجملة السابقة ذات الكثافة والبهاء الشعري اللامع.
هذه الملاحظة تحديدا هي ملاحظة اخراجية وادائية بالاساس المسئول الأساسي عنها هو المخرج صاحب الادارة الكلية للعرض والذي ربما تنقصه الخبرة الكافية للتعامل مع هذا النوع من الحوارات ذات المخيلة الشعرية ظاهرة الحضور.
وتأخذنا تلك الملاحظة إلى الأشارة ايضا لطبقات الصوت الخاصة بالممثلين والتي هي اداة اساسية من ادوات التعبير التمثيلي المسرحي والتي تتوازى في السينما مع نظرات العيون فالمتلقي المسرحي لا يسعه رؤية ملامح الممثل او نظرة عينيه ولكنه يستشف مشاعر الشخصية الدرامية وافكارها التي يعبر عنها الممثل من خلال ألوان الطبقات الصوتية للممثل ولما كان ضبط الأداء الصوتي كما الحركي للممثل مسؤلية المخرج فأننا امام تفاوت واضح في سيطرة المخرج على ممثليه في هذا العرض اي انه ترك لكل منهم حرية اختيار الطبقة حسب الأنفعال دون ان يزن تلك الطبقة في ميزان الاداء المحكم والمطلوب، فنجد أن شخصية مثل الأميرة رغد قدمتها الممثلة من خلال طبقة صوتية ما بين البكاء والنواح والعويل مهما كانت الحالة الدرامية التي تخص الشخصية وبالتالي بدت غير متسقة مع طبيعة المواقف وبدت الشخصية كلها مزعجة جدا في الديالوجات والمونولجات الخاصة بها، ناهينا بالطبع عن غياب المصحح الصوتي المنوط به ضبط مخارج ألفاظ الممثلين وضمان سلامة اللغة نحوا ونطقا، وهو ما جعلنا نسمع الكثير من الكلمات الغريبة مثل (الفكراء والكلوب والمقصود بالطبع الفقراء والقلوب)
ان المخرج الشاب محمد سليم كان طموحا بالقدر الكافي لينفذ رؤية جيدة فيما يخص السينوغرافيا والديكور الخاص بالعرض خاصة عندما وضع الجمهور في منتصف قاعة العرض واحاطه بشباك العنكبوت الضخمة في اشارة رمزية واضحة إلى ان الجمهور جزء من الحكاية وأن ما يحدث في المملكة يحدث بيننا وليس أمامنا او خارجنا وأننا كجمهور متورطون مكانيا وبالتالي شعوريا في البيئة النصية للعرض كذلك لا يمكن اغفال استغلاله لعنصر العلو المسرحي حيث قدم القصر الملكي من خلال ثلاثة مستويات الأول ارضي وهو القبو الذي يبدو كجحر ثعباني مثالي لشخصية عميل مثل حبرون مندس داخل اروقة القصر وعشيق سري للملكة ثم المستوى الثاني لمساحة العرش حيث يجتمع غسان مع وزرائه وهو المستوى الذي يحتوي على موتيفة شرفة من المتفرض ان الجالس على العرش يطل منها على الشعب ثم المستوى الثالث وهو حجرة النوم الأعلى من كل مستويات المملكة والتي تمثل مقر الحكم الحقيقي حيث بدأ كل شئ بين ميسون وغسان في علاقتهم العاطفية الجنسية وحيث الجنس والعلاقات السرية هي التي تحكم المملكة بأكملها برمزها الشهير وهو الفراش، وهنا يقدمه العرض في شكل موتيفة تتأرجح فلا يبقى فوقها نائم أو مطمئن في رقدته لأن الفراش هو عرش وهمي لا يمكنه مهما طال امد نفوذه أن يحكم الشعوب أو يسيطر على القصور.
بينما في المقابل من تلك المستويات وعلى الطرف الأخر من القاعة توجد تلك المنصة متوسطة الطول التي تمثل المكان السري الذي تخبئ فيه رغد اختها الصغيرة شدا والذي لا نعلم كيف هو سري بينما يذهب إليه كل من ميسون وغسان بسهولة شديدة ولا ندري ماهية هذا المكان ولماذا تقيم فيه رغد وتنتقل بينه وبين القصر لكي تذهب إلى عشيق اختها في مواجهة فاضحة وغير مفهومة او مبررة.
ولكن مع كل هذا الطموح البصري في انجاز تصور مغايير لخشبة المسرح فأن المخرج يستعين بمشاهد ولقطات من المفترض أنها سينمائية يتم عرضها على شاشة خلفية (باك بروجيكشن) تستعرض لنا منبت العلاقة ما بين ميسون وغسان في البداية قبل موت الملك وتوليه العرش ثم لقطات من علاقة حبرون وميسون فيما بعد ثم أخيرا كليب فقير الخيال والصورة من المفترض انه تعبير بصري عن الاغنية الجميلة التي يغنيها لطفي بوشناق في نهاية العرض.
هنا نتساءل عن سبب استعانة المخرج بهذه اللقطات او تصوير هذه الاحداث بشكل من المفترض أنه سينمائي من الأساس !! ما هي العلاقة الاسلوبية ما بين المادة المعروضة سينمائيا وبين المادة المسرحية والحضور الحي للممثلين ! ما هو التوظيف الدلال لهذا الأسلوب السينمائي – ان جاز اطلاق لقب سينمائي عن هذا الشح البصري- ام ان المسالة لا تعدو اكثر من استغلال لميزة العرض السينمائي لمادة مصورة على شاشة خلفية دون أن يكون لها موضع من الاعراب الأسلوبي او فائدة درامية او دلالة ذات قيمة من اي نوع !
هنا يبرز غياب عنصر الناصح الابداعي الذي اشرنا إليه في بداية حديثنا عن العرض، هنا تبدو رغبة المخرج في استخدام كافة الأساليب المتاحة انتاجيا سواء كان العرض في حاجة لها على مستوى السرد والحكاية أم لا.
تبقى الأشارة إلى قوة الحضور التمثيلي للكثير من ممثلي العرض وعلى رأسهم بالطبع وفاء الحكيم تلك المخضرمة صاحبة النفوذ الأدائي الواضح وطبقات الصوت التي عكست ملامح شخصية الملكة ميسون داخليا مع الأخذ في الاعتبار ان الشخصيات ذات البعد الشهواني تصبح فخا سهلا للأبتذال ولكن وفاء استطاعت ان تقفذ فوقه بسهولة وخبرة، وهو ما يحسب ايضا للمخرج محمد سليم فنصف جودة اداء الممثلين تعود إلى توجيهات المخرج مهما كانت خبرتهم ولكن المخرج وحده في المقابل هو من يتحمل كافة سلبيات الأداء لأي عنصر تمثيلي اخر في العرض لأنه في النهاية من اختياره فهكذا يتم تقييم الأداء، الجيد ينسب نصفه للمخرج والسلبي يحسب كله على المخرج.
عرض قمر العميان هو عرض لم ينقصه البريق الشعري ولا الطموح الأخراجي ولكن غابت عنه الكثير من عناصر الدقة والاتقان والحكمة الفنية التي تولدها الخبرة والرؤية المتأنية العميقة، أنها تجربة ينقصها الكثير من النصائح الأبداعية الموجودة بوفرة لدى الكثير من المشتغلين بالمسرح سواء من داخل البيت الفني او خارجه وهي نصائح يجب ان يتم ضمان انتقالها بكثافة إلى الأجيال المسرحية الجديدة لكي نضمن مستقبل مسرحي حقيقي وتجارب أكثر نضجا وتماسكا وتأثيرا.

 

 

العرض : قمر العميان
تأليف واشعار: على ابو سالم
إخراج : محمد سليم
إنتاج : مسرح الغد
خشبة : مسرح الغد
    

 

 

 

 

 

 
 

 

 

 
  

 

التعليقات