الولع بمصر

الولع بمصر

منذ عدة أشهر غضب المثقفون المصريون بلا سبب حين كتب مثقف خليجى إن الإشعاع الثقافى انتقل من مصر إلى دول الخليج، وهو بذلك يتكلم بشكل صادق وواقعى، لكننا لا نحتمل ضوء الحقيقة، فالكثير من الدول العربية قد شاركت فى صناعة الثقافة وبعضها تفوق علينا حتى لو بأيدى مصرية، منذ تأسيس مجلة العربى عام 1958، ثم صدور سلاسل مهمة من الإصدارات والمجلات ومنها عالم الفكر، وعالم المعرفة، وغيرها، وفى الفترة الأخيرة تقلصت الأمور عندنا وازدهرت هناك سواء فى الإصدارات أو المهرجانات الثقافية أو السينمائية وفى الوقت الذى توقفت فيه بعض الأنشطة مثل مهرجان سينما الطفل ومعرض كتاب الطفل فإنها ازدهرت فى الإمارات خاصة الشرقة، وفى خلال زيارتى القصيرة لدبى الأسبوع الماضى تعرفت على مثقف حقيقى، هو الأديب محمد المر، الذى شرفنى بدعوة إلى منزله عرفت أنه نادرا ما يفعلها مع آخرين.

وقد غيرت هذه الزيارة من مفاهيمى بكل ما بها من أفكار استعلائية حول الثقافة فى مصر، فقد عرفت أن الدولة قد أوكلت إليه تأسيس أكبر مكتبة وطنية فى العالم، وأنه يسافر دون انقطاع إلى كافة المدن والبلاد لتجميع كل مايمكنه الوصول إليه من تراث إنسانى يمكن ضمه إلى المكتبة الوطنية المزمع افتتاحها عام 2018، وشاهدت فى مكتبته الخاصة مجموعات من الكتب والوثائق النادرة التى تخص تقافتنا العربية فى المقام الأول، ثم الثقافات العالمية الحديثة والقديمة فى كل أطراف الدنيا، وبكل تواضع هم ليرينى ألبوماته النادرة فى الثقافة السينمائية المصرية والعربية، ورأيت مؤسسات بأكملها فى شخص واحد يحب مصر كأنها وطنه الأول مكرر بعد الإمارات، ورأيت مؤسسة ثقافية متكاملة فى شخصه، قرأ واستوعب، وأبدع، وكتب، وتجول فى البلاد، وقد حرص الرجل على دعوتى لتناول الغداء بمطعم داخل مول ليس له مثيل فى العالم ولا فى مصر، إنه مول بالغ الضخامة والفخامة، مبنى ومصمم من الداخل والخارج على الطراز الفرعونى، وبالملحق الخاص به هناك مبان ضخمة على الطراز العربى، فى الحقيقة فإن العين تعجز عن استيعاب هذا المبنى الضخم،  بكل اتساعه وطرازه الهرمى من زجاج يبلغ ارتفاعه نفس ارتفاع أهرام الجيزة بزجاج معشق مرسوم عليه أغلب التاريخ الفرعونى القديم والديكور الداخلى عبارة عن متحف من المستنسخات لتماثيل، ونقوش فرعونية، ومجسمات بالحجم الطبيعى لمسلات، ومومياوات وأشياء تسر العيون لمن يعشقون تاريخ مصر، إنها بناية ليس لها مثيل ليس فقط فى باريس التى ابتدع مثقفوها مصطلح «إيجيبتومانيا» بل أيضا فى مصر التى أسست كل هذه الحضارة ولم يفكر واحد من أبنائها فى عمل مثل هذا الصرح، إنه مشروع مختلف عن القرية الفرعونية فى مصر، تُرى هل نتعامل مع الثقافات العربية بكل حساسية حين نراهم يحبون حضارتنا ويحتفون بها ويقدمونها فى أحسن صورها، ونحن نكتفى بالفرجة و«التأميز» (التأميز مصطلح شعبى ليس عندى بديل له فاسأل عن معناه إن كنت لا تعرفه).

 

 

 
التعليقات