فلسفة صاحب الشقة!

فلسفة صاحب الشقة!

عندما تأتى إلى القاهرة قادما من الأرياف تصبح عقبتك الأولى هى السكن، ولكن غرورك وتباهيك بنفسك يصوران لك أنك عبقرية زمانك، وأن أصحاب العمارات فى القاهرة سيقبلون قدميك من أجل أن ينالوا شرف استضافتك، فأنت فلتة العصر والأوان الذى أتى ليقلب حياة المدينة رأسا على عقب، وتتخيل حوارك مع صاحب أى شقة ستسكن بها على هذا النحو:

- وإنت يا بنى جاى القاهرة من البلد ليه؟

- ياحاج أنا جاى أشوف مستقبلى.. وأتعب وأشتغل عشان أحقق نفسى

ينظر إليك بإعجاب:

- طب وأهلك بيساعدوك فى المرمطة دى؟

- والله ياحاج أنا مصمم إنى أعتمد على نفسى ومش باقبل أى حاجة من حد حتى لو أهلى.

تتلألأ الدموع فى عيون الرجل وهو ينظر لك فى إكبار:

- وجاى تشتغل إيه بقى؟

- فى الكتابة.. الصحافة.. التأليف.. الإبداع.

- ماشاء الله.. ومعاك فلوس يابنى تكفيك لحد ما تشتغل.

- حتى لو مش معايا.. كفاية إن معايا إصرارى وطموحى.

يتشحتف الرجل أمامك من التأثر ويضع يده على كتفك فى عزيمة:

- ياما كان نفسى أشوف ابنى واعى وفاهم زيك كده بس ما حدش بيشترى ضناه على كيفه.. شوف يابنى.. كل أديب عظيم جه القاهرة، بعد ما اتشهر كتب عن السكن المعفن بتاعه وظروفه المقندلة، أصل أنا قارئ قديم، وأنا مش هاسامح نفسى إنى أمنع واحد زيك من طموحك.. انسى المقدم وانسى الإيجار وانسى المية والكهربا.. كفاية إنى باساهم فى بناء مبدع كبير زيك.. إنت اللى هتغنى يامنعم.

ولكن عندما تواجه الواقع الأليم ستكتشف أن مشاهد أفلام الأبيض والأسود التى أكلت عقلك لا وجود لها فى الحقيقة، وسيتحول الحوار بينك وبين صاحب الشقة إلى هذا الشكل:

- وإنت معاك كام بقى يابرنجى؟

- اللى تؤمر بيه ياحاج.. بس إنت عارف إنى لسه جاى القاهرة بقى.. خليك معايا شوية.

- طيب لسة جاى.. يعنى الفلوس لسة معاك بخيرها.. شوف ياسيد الناس.. إحنا عايزين خمس شهور مقدم تأمين.

- تأمين على إيه ياحاج؟ ده أنا واخد الشقة ع البلاط!

- لا.. بس الحمام شغال.. ومليان سيراميك.

- وهوه انا هاغتصب سيراميك الحمام ياحاج؟ هيه عشان سيراميكا كليوباترا تخاف عليها منى؟

يشيح عنك بوجهه فى ضجر وهو يجيبك:

- والله ده النظام هنا.. وبعدين فلوس التأمين فى الحفظ والصون لما تسيب الشقة تاخدهم.. بس لازم الشقة تبقى ساعتها زى ما هيه دلوقتى.

- ازاى يعنى؟

- يعنى الدهان يبقى بحالته.. الحمام نضيف.. قاعدته نضيفة بلونها مش غامقة من كتر لا مؤاخذة القعدة عليه.. السيراميك بيلمع.. الحنفيات تبقى زى ما سلمتهالك.. أكر الأبواب تبقى بحالتها، وبعدين عايزين إيجار الشهر مقدم؟

- وهوه أنا لسة سكنت ياحاج؟ ياحاج افهمنى.. اصبر بس عليا يومين لحد ما الدنيا تظبط معايا.. أنا كاتب وشاعر.. أنا عندى طموح.. أنا عندى إرادة.

- عندك مربى؟

- نعم؟

- شوف يابنى.. كاتب وصحفى وشاعر والكلام ده يخصك.. شغل الورق ده ماياكلش معايا.. أنا آخر ورقة قريتها كانت ورقة بخمسين جبت بيها علبتين سجاير.

تشعر فجأة أن ستارة سوداء ظللت مسرح دنياك وأن عرض الأدب والشعر قد انتهى ولم يعجب المتفرجين فتجيبه باستسلام:

- ماشى ياحاج.

يجيبك بابتسام لطاعتك العمياء.

- تعجبنى وإنت مطيع.. وعايزك تشوف مصلحتك. شغل السكافة والأدب والكصص ده مايجيبش هم هنا.. معاك قرش تبقى فوق دماغى.. مامعاكش تبقى تحت أوطى نعل جزمة فيك يا منطقة -وأنا آسف على كلمة منطقة- ماتزعلش منى أنا زى والدك.. ولو احتجت أى حاجة ماتتكسفش.. روح لأى حد صاحبك وهوه هيساعدك.

التعليقات