المسؤولية الاجتماعية

المسؤولية الاجتماعية
إذا كانت المسؤولية الاجتماعية في التفكير المعاصر عبارة عن ، نظرية أخلاقية بأن أي كيان، سواء كان منظمة أو فرد، يقع على عاتقه العمل لمصلحة المجتمع ككل، وهي أمر يجب على كل منظمة أو فرد القيام به للحفاظ على التوازن ما بين الاقتصاد، وهي أمر لا يختص فقط بمنظمات الأعمال بل هي شأن كل فرد تؤثر أفعاله على البيئة، وهذه المسؤولية يمكن أن تكون سلبية، عبر الامتناع عن الانخراط في أفعال ضارة، أو إيجابية، من خلال القيام بأفعال تحقق من أهداف المجتمع بشكل مباشر، -إذا كانت في التفكير المعاصر بهذا المعنى- ، فإن جذور الفكرة في الثقافة الإسلامية تحمل مدلولات أوسع وأعمق بكثير من هذا المفهوم، فقد اقر الفكر الإسلامي مفهوم المسئولية الاجتماعية، على مستوى أصوله النصية الثابتة وفروعه الاجتهادية المتغيرة، حيث أشارت العديد من النصوص إلى هذا المفهوم كقوله تعالى "إنما المؤمنون إخوة"، وقوله تعالى "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض"وقوله الرسول صلى الله عليه وسلم "أيما أهل عرضة أصبح فيهم امرؤ جائعا، فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله"، وقوله صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"
ولقد أولى الإسلام بالغ الاهتمام بمفهوم المسؤولية الاجتماعية، وأعطاها صفة الشمولية، ونقصد بها تقديم كل ما يسهم في بناء المجتمع من مختلف جوانبه المادية والروحية بناء صحيحا، ويمنع كل ما يلحق الضرر به، ويظهر ذلك جليا في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، والتي صاغت أحكام المعاملات على أساس عالي الدقة في التنظيم، والشمولية الرائعة في تطبيق أحكام الشرع، وأزالت كل لبس في التعامل بين الفرد المسلم في مجتمعه والمجتمعات غير الإسلامية، بحيث تكون المسؤولية الاجتماعية والضمير الإيماني هما المحرك والبوصلة التي على أساسها يتحرك الفرد.. مستخدما في ذلك التوجيه والإرشاد والموعظة الدينية؛ للقيام بمصالح الأمة قال تعالى:"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"
والمسؤولية الاجتماعية من منظورها الإسلامي؛ لم تعالج في أي فكر آخر كما عولجت في الإسلام، الذي وضع الضوابط الناظمة للمسؤولية بعمومها، فمن باب المسؤولية الاجتماعية نجده ينظر للعمل العام على أنه يصب في مصلحة المجتمع، ويحافظ عليه ويراقبه، ويزيد من موارد الخير فيه، ويسد موارد الفساد في المجتمع، لأن العمل العام ذو مفهوم واسع، يبدأ بالفرد والأسرة، وينتهي بجميع بني البشر، بصفتهم المكلفين بإعمار الأرض، وعليه تحدد مسؤولية كل فرد.
وبجدر بنا أن نميز بين باعث المسؤولية الاجتماعية في الإسلام وباعث المسؤولية الاجتماعية في الفكر المعاصر، فباعث القيام بالمسؤولية الاجتماعية في ظل الرؤية المعاصرة، هو ضمان استمرار الشركات في مجال عملها على المدى الطويل، كما أنها تساعد في تعزيز مصداقية المنشأة والثقة في أعمالها وتستقطب الكفاءات إليها، أما من وجهة نظر الإسلام، فباعث هذا الدور هو التكليف الشرعي الرباني الذي يقوم به الإنسان طلباً لثواب الله ورجاء بركته، ومناطه الأخلاقيات الإسلامية التي تأخذ بزمام كل فضيلة، فتجعلها مطلوبة؛ فبعضها على سبيل الاستحباب، وبعضها على سبيل التأكد أو الوجوب على حسب المصالح المترتبة عليها في الدنيا والآخرة، لذلك لا يمكن حصر الأعمال الداخلة في نطاق المسؤولية الاجتماعية وإن أمكن فرزها في مجالات، إذ كل المصالح التي حث عليها الشرع -إيجاباً أو استحباباً-  داخلة في نطاق هذه الشركات وقُدْرَاتها وأحوالها. 
المسؤولية الاجتماعية في الإسلام التي يدخل في نطاقها كل هذا الرصيد الضخم من الأعمال، تقوم على ثلاثة أُسُس تظهر فيها فلسفة التشريع الإسلامي لهذا الدور، وهذه الأسس، هي: الإيمان، والقسط، والتكامُل، فالإيمان، يثير الضمير الإنساني ويوجِّه وجدانه ويُحيي شعوره بالواجب، فيكون هو الدافع الأصلي الذي يدفع إلى القيام بالمسؤولية الاجتماعية، ثم يأتي التشريع والنظام ليؤكد هذا الدور المطلوب، كما أن الإسلام يترك المجال رحباً لمن أراد أن يزيد ما يشاء في دَورِه؛ فإنَّ كل ما يقدمه يزيده قرباً من الله، تعالى. وما يبذله فـي الدنيــا، يعوضـه اللـه - تعالى - عنه في الدنيا والآخرة: "وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ"، فيكون القيام بالمسؤولية الاجتماعية مرتبطاً بسرور الإنسان في أنَّه يقوم بعبادة يثاب عليها ويحقق بها رضي الله.
والإسلام يبني تكليفه على الواقع، لكنه يصعد بالإنسان إلى الدرجات العلى، ويوزِّع هذه الواقعية والمثالية، وهذا يبين معني القسط الذي هو أحد أسس المسؤولية الاجتماعية في الإسلام،  بحيث يقوم المكلَّف بما يستطيع ويمكِّن الراغب في الازدياد من الخير، فالقاعدة الأصلية "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، كما يوجه الله تعالى المتطلعين إلى المعالي، بقوله: "وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"، فقد فرض الله الزكاة - مثلاً - كحد أدنى، مع أنَّه ليس كل شيء وإنما هو الحد الواقعي الذي يفعله الإنسان، ثم يبقى الباب واسعاً أمام الإنسان للإنفاق الذي يجازى عليه بأضعاف مضاعفة، كما راعى أيضا الجوانب المادية والروحية، فلم يغفل عن أيهما، بل أخذ بميزان القسط فيهما، فلم يغلِّب المادة، والتي تؤدي غلبتها إلى تفكُّك الروابط الاجتماعية وتطرد معاني التعاطف والتراحم من القلوب، ولم يغلِّب الروحانية المهمِلة للحس والجسد المؤدية لضعف النمو في بناء الحضارة.
ونتيجة لهذا القسط في مراعاة الواقعية والمثالية، واحتياجات الروح والجسد، نجده يربط بين التجارة والعبادة مُدخِلاً الاحتياطات الروحية النفسية ضمن الاحتياجات الجسدية المادية في تناسق مبدع.
ومن آثار هذا التوازن والاعتدال، نجده يرفض منطق الاقتصاد الحر الذي لا يفرق بين الطيب والخبيث من الــرزق ولا يهمه إلا تحقيق الثروة، ولو على حساب الخُلُق والفضيلة، بل هو يدعو إلى اكتساب المال وتنميته وتحصيله: "فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ" ، لكنه ابتغاء مشروط بالحلال في كسبه وفي إنفاقه. 
والمسؤولية الاجتماعية، بالإضافة إلى ذلك، قامت طلباً لرضا الله، وأُدخل في نطاقها كل ما يحقق مصالح الناس، مراعية حاجات الجسد والروح، موازنة بين طلباتهما، متنبهةً لاختلاف القدرات وتنوُّع الرغبات، لتعمل كلَّ ذلك في تكامل عجيب.
 
التعليقات