قُوقازيٌّ في باطن جبلٍ مِصريٍّ.. 1

قُوقازيٌّ في باطن جبلٍ مِصريٍّ.. 1

 

لا شَكّ في أنَّ بعضًا من الرِّوائيِّين العرب قد شَيَّدوا أعمالًا أَدبيَّة عظيمة سيظهر أثرها الفَعَّال في المظاهرة الإِبداعيَّة الإِنسانيَّة العَالميَّة بمرور الوقت؛ أحدها رواية "فساد الأمكنة"، المسرودة التُّحفة للمصري صبري موسى، العابرة للأزمنة بثقة قارب شُراعيٍّ نِيليٍّ، أينما تهادى من النَّهر لقي إعجاب ناظريه، ومستخدميه.

 

قد يعتمد غيري أسبابًا عديدة رفعت هذه الرِّواية إلى ذروة اللياقة الإِبداعيَّة، كاللغة الرَّخيمة المتضافرة مع الأحداث ذات الطَّابع الغَرائبيِّ المثير بأسلوب هَيَّأ لسردها الدُّراميّ التَّمتُّع بإِمكانيَّات عددٍ من الفنون الأخرى، كالشِّعر والنَّحت والرَّسم، وغيرها من مختلف التَّشكيليَّات. وربما جاء سَبقُها إلى التَّناول الرِّوائيِّ للصَّحرا سببًا مُهمًّا أيضًا. لكنِّي، بالإضافة إلى كُلِّ هذه الأسباب، أعتمد سببًا أَظنُّه الأوجه رغم غرابته، هو: قدرة هذه الرِّواية على المناورة برشاقة لإلهاء قارئها عن عيبها الخطير، ونجاحها السَّاحق في هذه المُهمَّة. لذلك سندلف إلى فساد الأمكنة مُخفِّفين الوطء، نمشي الهوينى، بإكبار وإجلال يَستحقّهما إنشاؤها السَّرديُّ المكين.
إنَّه "نيكولا"، الشَّخصيَّة الرَّئيسة للرِّواية، المهاجر من روسيا إلى تركيا طفلًا بصحبة والديه، لينمو ويَشبّ هناك، قبل مغادرتها، وحيدًا، إلى إيطاليا، حيث يَتعرَّف على "إيليا"، إبنة صاحب المطعم الذى عمل فيه، فيُحبّها ويَتزوّجها، لينجب منها "إيليا" الصَّغيرة، قبل تركهما مواصلًا ترحاله، وحيدًا، ليستقر بمصر، في بقعة صَحراويَّة قَصيَّة من أراضيها الجَنوبيَّة المشارفة لساحل البحر الأحمر، يقبع عليها جبل الدَّرهيب فاتحًا بطنه بمنتهى العطاء لأعمال المناجم التي تنخر أعماقه بلا هوادة ولا رحمة.
"نيكولا"، وابنته "إيليا"، وجبل الدَّرهيب، أَثافيّ الرِّواية الثَّلاثة التي تَتأجَّج فيما بينها نيران حبكتها وقد ارتكزت على رؤوسها آنية طهو الفكرة، تنضج بصبر.
لا تستقيم الرِّواية، أَيّ رواية، دون إجراء العديد من المناورات البِنائيَّة. ويَظلّ مدخل الرِّواية، أَيّ رواية، هو ميدان مناورتها السَّرديَّة الأهم والأخطر، فإِمَّا تَمكَّن السَّارد، أثناء هذه المناورة، من القبض على تلابيب قارئه ليَظلّ أسير روايته فلا ينفلت منها إِلَّا بنقطة الانتهاء، وإِمَّا فَرَّ هاربًا يلعن الرِّواية ولَمَّا يقرأ منها غير أسطر قليلة! وقد حكى لي أحدهم، وعهدة القول عليه، إنَّه سأل الأستاذ "نجيب محفوظ" عن كَيفيَّة انتقاء رواية ما لقراءتها، فنصحه بالنَّظر في صفحة، أو صفحتين، من مدخلها، إلَّم يجد لغة، ولا أسلوبًا، ولا طرحًا، فليفر منها فرار المرء من الجمل الأجرب. فقد كان الأستاذ، رحمه الله، يرى أنَّ العمر قصير في حين هناك من الكتب، والرِّوايات، ما يستأهل إنفاق الجهد والوقت.
مدخل "فساد الأمكنة": "لو أُتيح للملمح أن يكون مَرئيًّا لطائر يُحلِّق عاليًا، محاذرًا في دورانه المغرور أن تصطدم رأسه المُريَّشة بقمم الصُّخور ونتوءاتها، لرأى الدَّرهيب هلالًا عظيم الحجم، لا بد أنَّه قد هوى من مكانه بالسَّماء في زمن ما، وجثم على الأرض منهارًا مُتحجِّرًا، يحتضن بذراعيه الضَّخمتين الهِلاليَّتين شبه واد غير ذي زرع، أشجاره نتوءات صَخريَّة وتجاويف، أحدثتها الرِّياح وعوامل التَّعرية خلال آلاف السِّنين. ولعل ذلك الطَّائر المرتفع لو دَقَّق البصر وحَدَّده، يرى نيكولا العجوز، ذلك المُسمَّى باسم قديس، عاريًا هناك تحت شمس أغسطس الجُهنَّمية.. وسط ديكور فج، من بازلت وجرانيت، وأحجار أخرى جِيريَّة وبَحريَّة مُتكلِّسة.. تُشكِّل وهادًا أحيانًا وتلالًا أحيانًا.. يقف هناك نيكولا، كما قَرَّر لنفسه، على قمم خادعة مُتزلِّجة، مُؤرجَحًا على حصى دقيق من الأسبيستوس وبِلُّورات الرُّخام ذات الأَسنَّة القاطعة.. والقواقع المُهشَّمة من مليون ألف عام.. يقف هناك نيكولا الذي لا وطن له.. عاريًا ومصلوبًا على الفراغ المُتأجِّج الحرارة وحده.. تلفحه ريح الصَّحراء.. عارمة بين حين وحين.. فلا يمكنه أن يَدَّخر منها ملء قبضته.. كذلك يفعل نيكولا كُلَّ يوم.. وباستطاعة ذلك الطَّائر ـ وليكن واحدًا من تلك الصُّقور الشَّرقيَّة البُنِّية الرِّيش، الصَّفراء المخالب والمناقير ـ أن يراه كُلّ يوم في نفس الميعاد، على صليبه المُتخَيَّل والحَتميِّ معًا، لو جاء مُحلِّقًا فوق الدَّرهيب خلال رحلته من بئر شلاتين وجبل الأبرق، وعبر القمم المُتألِّقة ببياض الرِّيش في جبال زرقة النَّعام.. إلى وليمة الجثث في وادي الجمال حيث تموت أنثيات الإبل أحيانًا من عنف الجِماع. ولكن.. حتَّى الصُّقور نفسها تمتنع عن الطَّيران والشَّمس في كبد السَّماء.. وهكذا يبقى نيكولا يمارس طقوس عذابه وحده، غير مَرئيٍّ إِلَّا من السَّماء التي بهتت واقشَعرَّت وتَحيَّرت جِدًّا، من هول أفعاله التي يستعيدها في رأسه! وما تكاد الشمس تنحرف عن عن مجلسها العمودي في رحلتها المتأنية إلى الغرب ، في ذلك الفراغ الصَّحراويّ المُضمَّخ برائحة الجبال المَزهوَّة بعريها تحت الشَّمس، وتكون الصُّخور الحمراء قد بدأت تَشعّ لهبًا....
 
التعليقات