ذات حرب

ذات حرب

 

عـادة ما تبدأ الجدات حكاياتهن بعبارة ‘‘ذات يـوم كان هناك......’’ ثم تبدأ رحلة السرد...  والحكاية لفتاة صغيرة ظل البحث عنها كما يليق بسندريللا يبحث عنها أمير.. أشرقت ذات صباح على غلاف الناشيونال جيوجرافيك بعد أن التقط صورتها المصور ستيف ماكوري في مخيم ناصر باغ للاجئين غرب باكستان 1984 خلال الحرب السوفييتية على أفغانستان.
في العام 2002 تقرر الناشيونال جيوجرافيك البحث عن أيقونتها المرئية أو ما أُصطلح على تسميتها "بالموناليزا الأفغانية"!! والمصور الذي وجد فتاته أخيرا، لم يصدق حكايتها الدرامية والتي تصلح أن تكون رواية تُـحكى أو قصة فيلم، لكن من المهم أولا أن نتأكد من أنها ذات الفتاة.!!
 
 
بالمقاربة بين الصورتين نجد بعض التماثلات، تفتح الصورتان أبواب التكهن والاحتمالات.. وبين الأزرق والأحمر تكمن الحكاية.. بين ‘‘البوشية’’ الزي الرسمي للمرأة في باكستان والذي يغلف أجساد النساء فيطللن على العالم من مشربية زرقاء، وبين غطاء رأسٍ وضع على استحياء وتعجل على رأس الفتاة الصغيرة في مدرسة المخيم.
‘‘فـارجع البصر..’’
الأزرق بإنكساره والأحمر بتنمِّـره.. لون السكون والثبات في مقابل اللون "الحِـرِك" القافز.. تعلم السيدة الزرقاء ما آل إليه الأمر في مجاهل تورا بورا، بينما لا يزال ثمة أمـل أمام الفتاة الغِرة ذات النِـطـاق الأحمر. والتي ظلت تنتقل بين أفغانستان وباكستان على حسب الأوضاع الأمنية - أو للدقة - غير الأمنية.
هما العينان على اتساعهما.. لم يتغير لون القزحية.. فقط انطفأ بريقها من هول ما رأت..
والحاجبان هما الحاجبان.. بيد أنهما اقتربا أكثر وأكثر في وجه المرأة.. لا نعلم إن كانت شعيرات زائدة بحكم السنين لم تجد من يهذبها؟ أم أنها التقضيبة الخفية التي تقرب بين شتات العينين بغضب مكتوم؟؟
نفس الشحوب ولون البشرة الأميل للأحمر الطوبي والأقرب للون الطمي المحترق في القمائن..
لكن لا شمس تلفحُ البشرة المخبأة تحت الشادور ؛ فعلام احمرار بشرة المرأة الزائد؟! ربما كان الاحتقان الداخلي والاتقاد الخفي.
‘‘ثم ارجع البصر كرَتين..’’
نفس الكادر..
نفس المنظور..
أجزم أنه قاوم للمرة الثانية أن يقول لها هلا ابتسمت قليلا؟؟
سيبدو أبلها بدعوته تلك. هو أيضا لا يريد الجمال.. ربما ابتغى الصدق.
الصدق بائس.
‘‘والبصر خاسئ وحسير..’’
نعم.. الأنف اُستدق والملامح نُحتت أكثر فأكثر.
لكنها ذات الوحمة الدكناء على الجانب الأيمن من الأنف, وأسفلها ذات الحسنة الصغيرة عليه كقرطٍ رباني.. ثم حسنة أخرى صغيرة بالقرب من الفم.. لا نعلم إن لاقت نصيبا من غزل زوجها الخباز ضيئل الحجم.!!
فتاة بأحمرها المتوجس المرتقب.. وامرأة بأزرقها الخائف المرتعب.
لابد وأننا فاتنا الكثير.
هل هي حقا ذات الفتاة؟؟!!
تمر السنون ولم تعد الفتاة هي ذات الفتاة.. لكنهم يقولون أنها ذات الفتاة.. يجيب علينا اختبار المُـقـَـل ويستنطقون إلكترونيا بصمة العين..
لك أن تشك في أنها ذات الفتاة، بيد أنه لن يخاجلك شعورا بالشك من أنها...
ذات الحــرب.
 
Photos by: Steve McCurry

 

 

وثائقي: مصور الناشيونال جيوجرافيك يبحث عن الفتاة الأفغانية:
 

 

التعليقات