بالذُرة والبسكويت.. ابن «الثمانية» يقتحم عالم رجال الأعمال

بالذُرة والبسكويت.. ابن «الثمانية» يقتحم عالم رجال الأعمال

مصطفى -8 سنوات- يريد أن يدخل عالم رجال الأعمال، من أوسع أبوابه، ويبيع ذرة
رأى شابًا يفعل ذلك، فأراد أن يُجرِّب، أخبرني بالأمر، فكشفتُ له سرًا دفينًا من تاريخي المجهول:
- مرة فعلتُها يا بني، وبعتُ ذرة بالفعل، وربحت 20 جنيهًا كاملة، كنت في الصف الأول الثانوي تقريبًا.
تحمّس أكثر، وشعر أن الأمر يمكن تنفيذه على أرض الواقع بالفعل.
في اليوم المحدد، استيقظنا مبكرًا، فأخرج النقود من حصَّالته –كما اتفقنا- وأخذته للسوق، وبدأنا تحضير ما سنحتاج إليه.
اشترينا الذرة من بائع جملة، وبعض الفحم.
وذهبنا للمنزل، لوضع خطة العمل.
أول شيء فكَّرنا فيه: حساب التكلفة.
شرحتُ لمصطفى كيف يحسب مكسبه، بخصم المصروفات من الناتج النهائي، فأحضر ورقة وقلمًا، وكتب فيها كل ما أنفقناه من تنقلات ومواد خام، ثم جاء وقت التسعير، بكم سنبيع الكوز؟
حتى يكسب، كان لا بدَّ من بيع الكوز بثلاثة جنيهات ونصف الجنيه، وهو ما يزيد على سعر السوق بنصف جنيه كاملة.
قلت له:
- لن يدفع الزبون سعرًا زائدًا في سلعة يمكنه الحصول عليه بسعر أقل.
فكَّر قليلا، ثم قال:
- حسنًا، علينا التفكير في دفعه لشرائها رغم ذلك.
قلت له:
- بالضبط. هذا يُسمَّى التسويق يا بني.
وتابعتُ:
- إنه تحدٍ كبير، فإما أن نبيع بسعر السوق ولا نكسب، وهذا غير منطقي، وإما أن نضيف لسلعتنا ميزة تفتقدها السلع الأخرى؟
قال في حماس:
- مثل ماذا؟
فكّرت، ثم اقترحت عليه:
- ما رأيك لو أحضرنا كروتًا صغيرة، وكتبتَ عليها بخطِّك كلمة جميلة أو دعوة أو نصيحة، ثم نُعطي كل زبون كوز الذرة والكارت. هذا شيء لن يفعله سوانا.
تحمَّس للغاية، وشرع هو وأخته ملك في التنفيذ فورًا.
لم أتدخَّل في هذه المرحلة، وتركتهما يُبدعان، فكتبا عبارات من نوعية: (وحشتني - الكوز حلو ولا لأ؟ - هات حتة – بحبك يا ماما – يسعد صباحك؟ - بالهنا والشفا – تاخد كمان؟ – يا رب يجيلك فلوس... ).
بعد ذلك، صعدنا إلى سطح العمارة، وبدأنا في إخراج الذرة من أغلفتها الخضراء، بعد أن أحضرنا كيسين كبيرين، أحدهما وضعنا به القشر، والآخر الذرة النيِّئة، كنتُ حريصًا على تمرير قيمة النظافة والمحافظة على المكان.
وصلنا لمرحلة العمل الحقيقي، أحضر مصطفى طبقًا لوضع النقود به  (آملا في ملئه J ) وآخر لوضع الكروت. ثم أشعلنا الفحم، ووضعناه في الشوَّاية، ورصصنا الذرة عليه، وبدأ مصطفى وملك التهوية والتقليب.
في الحقيقة كان الأمر ممتعًا للغاية. غير أن الجوَّ بدا أنه موشك على الإمطار، فحملنا عدَّتنا ونزلنا البلكونة. وهنا بدأ توافد الزبائن، من أهل البيت والعمارة.
لم أُرد النزول للشارع. رغبت في أن يخوضوا التجربة في بيئة آمنة لأول مرة، ليأخذوا إيجابياتها دون سلبياتها، ويتقنوا أساسياتها، وحتى لا يتعرّضوا للسخرية من مُختلِّين، فيفقد الأمر روعته. وبعد ذلك، يمكننا توسيع الدائرة.
الأولاد كانوا سعداء للغاية، ويَضجُّون بالحماس، وفي لحظة تمكِّنٍ وإجادة، طردوني خارج البلكونة، وفتحوا نافذتها، للاستئثار بالمحل وحدهم، والتعامل مع الزبائن من بعيد لبعيد J
بعض الزبائن أثنوا على الذرة، وبعضهم أبدوا استياءهم لحرق أجزاء منها قليلا.
قلتُ لمصطفى: لا تحزن، هذا أمر طبيعي للغاية، لن تستطيع إرضاء الناس جميعًا، المهم الآن، ألا تُحبَط، وتأخذ الآراء السلبية، وتحاول تلافيها في المرة المقبلة.
أومأ برأسه، وواصل العمل.
بعض الأكواز احترقت تمامًا، لقلِّة خبرتهم، ورفضهم تدخِّلي (مع إني حرّيف شوي يعني، خسروني والله J ) فقلت لهم: هذا طبيعي أيضًا، لا بدّ أن تحضِّر نفسك لبعض الخسائر طول الوقت.
الحصيلة النهائية كانت مُرضيَة، وكسبَ الأولاد مبلغًا معقولًا، بعد خصم المصاريف، غير الدروس التي فازوا بها، واللطيف أن مصطفى، قال لي وهو يعدّ النقود بينما عيناه تلمعان:
- لن أنفق هذه النقود الآن، سأشتري بها علب بسكويت وحلويات وأبيعها للأولاد، كي أكسب المزيد.
فابتسمتُ، وقلت له وأنا أُقبِّل يده الطيبة:
-  خُدني معاك يا سي جوني.

التعليقات