الأزمات الإقتصادية هل هي من غضب الله ؟

الأزمات الإقتصادية هل هي من غضب الله ؟

هل كثرة الذنوب والمعاصي وبعد الناس عن دينهم هي السبب فيما يعانيه المصريون الآن من أزمة اقتصادية وغلاء وارتفاع جنوني في الأسعار تتزايد معدلاته كل يوم أو ربما كل ساعة ؟

تحدثنا آيات قرآنية من سورة يوسف عن أزمة اقتصادية مرت بها مصر في زمن الملك"الريان بن الوليد "الذي استعان بسيدنا يوسف عليه السلام لتدبير أمور البلاد الاقتصادية، وبالفعل نجح نبي الله في إنجاز المهمة وتجاوز الأزمة.ولم تذكر لنا الآيات أن السبب كان في الذنوب والمعاصي ، بل أكدت حين قصت علينا كيف استطاع نبي الله يوسف تجاوز تلك الأزمة ، أنه لم يفعل ذلك إلا من خلال الرؤية المستقبلية والتخطيط الإقتصادي العلمي والسليم . 

ووفقا لما نقله لنا المؤرخ العظيم تقي الدين المقريزي في كتابه ( إغاثة الأمة في كشف الغمة ) ، فإن تاريخ مصر مع الأزمات الإقتصادية وما يتبعها من قحط ومجاعات وغلاء في الأسعار تاريخ ممتد وطويل، ولعل أكثر هذه الأزمات شهرة وذيوعا تلك التي وقعت  في خلافة المستنصر أو ما أشتهر باسم "الشدة المستنصرية" والتي استمرت سبع سنوات.. وكان سببها ضعف السلطنة والصراع على السلطة واستيلاء الأمراء علي الدولة..وكان ذلك سنة 457هـ فارتفعت الأسعار وتزايد الغلاء، وتعطلت الأراضي الزراعية، وانتشر الوباء، وحل الخوف جميع الأرجاء، وأصبحت كل السبل غير مأمونة برا وبحراَ..وساد الجوع لعدم وجود القوت ،لدرجة أن  أردب القمح وصل ثمنه إلى 80 دينار ، ووصل ثمن رغيف الخبز إلى 15 دينار .

ولم يتوقف الأمر أثناء تلك الشدة عند ذلك بل لجأ الناس  مضطرين إلى أكل الكلاب والقطط؛ حتى قلت الكلاب ؛فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير !! وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضاَ ..ويروى المقريزي : "وتحرز الناس"أي أخذوا حذرهم "؛فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب فإذا مر بهم أحد القوها عليه ؛ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه" ..

وأكلت الجيف ، فعندما  أكل الناس بغلة الوزير؛ وشنق بعض العامة فيها لم يتورع الناس عن أكل جثثهم تحت ظلام الليل .

ومن غريب ما وقع، أن امرأة من أرباب البيوتات أخذت عقدا لها قيمته ألف دينار ؛ وعرضته علي جماعة في أن يعطوها به دقيقاَ.وكل يعتذر إليها ويدفعها عن نفسه إلي أن يرحمها بعض  الناس وباعها به تليس دقيق بمصر .وكانت تسكن بالقاهرة .فلما أخذته أعطت بعضه لمن يحميها من النهاية في الطريق. فلما وصلت باب زويلة تسلمته من الحماة له ومشت قليلاَ.فتكاثر الناس عليها وانتهبوه نهباَ.فأخذت هي أيضا مع الناس من الدقيق ملء يديها.ثم عجنته وشوته .فلما صار قرصة أخذتها معها.وتوصلت إلي أحد أبواب القصر .ووقفت على مكان مرتفع؛رفعت القرصة علي يديها بحيث يراها الناس ،ونادت بأعلى صوتها:"يا أهل القاهرة!ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه ؛وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت علي هذه القرصة بألف دينار".

فلما علم المستنصر بذلك استاء وأحضر الوالي وتوعده ؛وأقسم له بالله إن لم يظهر الخبز في الأسواق وينحل السعر،ضرب رقبته ،وانتهب ماله .

فخرج من بين يديه ، وأخرج من الحبس قوماَ وجب عليهم القتل .وأفاض عليهم ثياباَ واسعة وعمائم مدورة وطيالس سابلة (أي أنه ألبسهم ملابس تجار القاهرة في ذلك الوقت)..وجمع تجار الغلة والخبازين والطحانين .وعقد مجلساَ عظيماَ .وأمر بإحضار واحد من القوم .فدخل في هيئة عظيمة ؛حتى إذا مثل بين يديه قال له: "ويلك !أما كفاك أنك خنت السلطان ؛واستوليت علي مال الديوان ؛إلي أن خربت الأعمال ومحقت الغلال ؛فأدي ذلك إلى اختلال الدولة وهلاك الرعية؟ أضرب رقبته !" فضربت في الحال .وتركه ملقى بين يديه.

ثم أمر بإحضار أحد أخر منهم ؛فقال له :"كيف جسرت علي مخالفة الأمر لما نهي عن احتكار الغلة ، وتماديت في ارتكاب ما نهيت عنه، إلى أن تشبه بك سواك ، فهلك الناس ؟أضرب رقبته !".فضربت في الحال.

واستدعى آخر،فقام إليه الحاضرون من التجار والطحانين والخبازين وقالوا:"أيها الأمير!في بعض ما جرى كفاية .ونحن نخرج الغلة، وندير الطواحين، ونعمر الأسواق بالخبز، ونرخص الأسعار علي الناس، ونبيع الخبز رطلاَ بدرهم".

فقال:"ما يقنع الناس منكم بهذا".فقالوا:"رطلين " .

فأجابهم بعد الضراعة .ووفوا بالشرط .

وهكذا مرت تلك الشدة القاسية بعد أن أتخذ المستنصر الإجراءات الضرورية بمنتهي القوه والحسم .

وهنا يبرز السؤال المهم : هل من الضرورة أن وقوع مثل هذه الأزمات واستحكام الغلاء  يكون دليلا على غضب الله أم أن للأمر تفسيرا آخر ؟

بالطبع لا يستبعد أن تكون الإجابة بنعم في بعض الحالات ، لكن ليس من المنطقي ولا المقبول أن يعمم ذلك التفسير على كل الحالات ، كما أنه لا يصح أن يبقى هو التفسير الوحيد والأوحد لحدوث مثل هذه الأزمات بحيث يستبعد معه باقي الجوانب والأسباب السياسية والإقتصادية المنتجة للأزمة .

من يكتفي بأن ما يقع من أزمات اقتصادية وغلاء هو بسبب الإبتعاد عن الدين والإغراق في الذنوب والمعاصي  غالبا هم فقهاء السلطان ، الذين يردون كل شيء إلى تفريط الرعية في حقوق ربهم وابتعادهم عن دينهم وتعاليمه وأوامره وإمعانهم في ارتكاب الفواحش والمحظورات ، وفي الغالب و بعد الإنتهاء من مواعظهم البليغة في ذلك يرفعون أكف الضراعة بالدعاء للحاكم بأن يتولاه الله بالحفظ والرعاية الأبدية  مع أن هذا الحاكم غالبا ما يكون هو أس البلاء في تلك الأزمات.

ولو كان كلامهم هذا صحيحا، فلماذا حدثت الأزمة الاقتصادية الحادة  سنة 18 هجرية والتي عرفت ( بعام الرمادة) في عهد عمر بن الخطاب الذي يعتبر عهدا من عهود العدل والتقوى والورع ؟!

أما أصحاب الوعي فإنهم يردون مثل هذه الأزمات لتفسيرات عقلية وعلمية وأسباب حقيقية تتصل مباشرة بسوء السياسات وفشل الإدارة وغياب التخطيط والرقابه والمتابعة ،ومن ثم فلا يستغرب أن نجد المقريزي بعد أن استعرض  تاريخ الأزمات الاقتصادية و المجاعات والغلاء في مصر ، أن يقرر أن السبب الحقيقي لما ينزل بالناس من أزمات اقتصادية ومجاعات وغلاء في الأسعار، إنما هو سوء تدبير الملوك والحكام وتقصيرهم في أداء واجبهم وخيانتهم للأمانة التي اختاروا حملها والقيام بها..هذا هو السبب وليس نقص النيل أو قلة المطر، ولا غضب الله على أهل مصر ..وهذا تخريج اقتصادي سليم يستند إلي أسس ومقدمات منطقية ،ولا يعتمد علي التأويلات الخرافية أو التفسيرات الغيبية للظواهر الإنسانية.

ولا يخفى على اللبيب أن استقراء الأزمات من منظور المقريزي وتحديد أسبابها في الفساد والسياسات الحكومية الفاشلة، وغياب الخيال والرؤية و ضعف عناصر الإدارة كالتخطيط وسوء اختيار الكفاءات البشرية، مثل هذه القراءة للأزمات هي التي تساعد على إدارة الأزمة بشكل علمي وإيجاد المخارج ووضع الحلول والبدائل.

التعليقات