بقية جولة قراءات 2016.. روايات ومجموعات قصصية

بقية جولة قراءات 2016.. روايات ومجموعات قصصية

عربيًا أطلّت علينا الكويت مرة أخرى في رواية "ثؤلول" للروائية الصديقة المحترفة "ميس خالد العثمان"، التي حكت فيها عبر قصةٍ تبدو مأساوية بامتياز تفاصيل حياة بطلتها التي برزت وسط أسرتها "كثؤلول" يودون جميعًا التخلص منه وبتره وإزالته، ولكنها تتحداهم جميعًا وتتمكن من التعايش مع المصيبة التي رماها بها القدر لتعبر ـ بدون معجزة ـ إلى السلام، وتؤكد مرة أخرى قدرة المرأة على تجاوز صعاب هذه الحياة ومواجهتها مهما كانت ثقيلة أو مجهدة!

كما أطل علينا الروائي السوداني المحترف "أمير تاج السر" بروايته "منتجع الساحرات" التي حملنا فيها إلى الحب والقهر في عالم المهمشين، حيث ساحة المزاد" ذلك المكان الشعبي الغريب المليء بالباعة الذين ينادون على سلعهم الغريبة وسيارات نقل البضائع الخاصة بهم، والتي يستبدلون فيها أشياء تافهة بأشياء أتفه منها! وتبدأ حالة عرض شخصيات ذلك العالم الغريب من البسطاء والفقراء بل والمعدمين وما يدور فيه عالمهم من شجارات وخلافات حول وسائل الرزق البسيطة التي يعيشون عليها وتقيم أود أيامهم، حتى تظهر لهم فجأة تلك اللاجئة المشردة الجميلة التي تدور الرواية حولها، والجميل أنه لم ينته العام إلا وكان ـ أمير تاج السر ـ قد أطل علينا مرة أخرى رواية جديدة، لازلنا في انتظارها "زهور تأكلها النار" .

كما سعدنا برواية الروائي العراقي الجميل "سنان أنطون" "فهرس" التي أعاد فيها قراءة المأساة العراقية بطريقة مختلفة مغايرة لما اعتدناه، وحاول أن يوثِّق لحظة الهزيمة بشكل مكّثف واستطاع أن يدير المشهد بين الأشياء والأحياء معتمدًا رصد العلاقة بين الماضي والحاضر من جهة، وعلاقة الكاتب بكتابته وسعيه الدءوب لإبقاء اللحظة الحرجة حيًا عبر توثيقها، وجاءت روايته كشهادة تجمع بين طياتها ألم الماضي مع مآسي الحاضر الراهنة!

ولم تغب المأساة السورية بالطبع بل ظلّت ماثلة أمام الأذهان ـ سياسيًا ـ وروائيًا، حيث جاءت رواية الروائية السورية "مها حسن" (مترو حلب) التي عكست فيها وجهًا جديدًا من وجوه الهم السوري، والشتات الموزّع بين البلاد وداخل نفس الشخصية، وما أنتجته الحرب من صراعات وانقسامات لم تكن في الحسبان!

وكان ختام النتاج العربي ودرته في تقديري رواية "محمد حسن علوان" الجديدة "موتٌ صغير" لاسيما أنها جاءت بعد فترة شوقٍ طويلة إلى كتابته بشكل خاص، ثم إنها جاءت عن سيرة صوفيٍ عربيّ قل أن يتم تناوله بهذا الاحتراف في الروايات العربية، االتي قامت على مستويين سرديين الأول يحكي تاريخ انتقال "أوراق/مخطوطة" تحكي "سيرة ابن عربي" منذ عام 610/1212 وحتى وصولها بين أيدينا عام 1433/2012 والتي تمر بأيام عصيبة في التاريخ الإسلامي، وتشهد ويشهد "حاملوها" الكثير من الحروب والصراعات والابتلاءات عبر ذلك التاريخ الممتد، أما المستوى الآخر فتأتي فيه سيرة "ابن عربي" منذ ميلاده حتى وفاته وما مر به هو شخصيًا من صعاب وابتلاءات وصنوف المحن والسجن ورحلته الطويلة من غرب البلاد (في الأندلس حيث ولادته وشبابه) إلى شرقها (دمشق) مرورًا بالقاهرة ومكة وغيرها من حواضر العالم الإسلامي للبحث عن "أوتاده" الأربعة، حتى وافته المنية.

 

 

.

من جهةٍ أخرى كان للقصة القصيرة حضورٌ خاصٌ وفارق في هذا العام، حيث أصدر القاص المحترف "شريف صالح" مجموعته الجميلة "دفتر النائم" الصادرة عن دار أخبار اليوم، تلك المجموعة التي رسم فيها عوالم تمتزج فيها الخيالات بالأحلام، فيما يبدو حضور "الواقع" بشخصياته وأحداثه طفيفًا عابرًا، مما يمنح فضاء "التأويل" مساحةً أكبر، فلطالما ارتبطت "الأحلام" بمحاولات عديدة للتأويل، إلا أن العوالم التي ينسجها "شريف صالح" في قصصه ليست ـ كما قد يظن البعض ـ ألغازًا تحتاج إلى من يفك شفراتها ويفسّر مضامينها، بل هي تقدم نفسها كما هي تمامًا نماذج للقصّة المختلفة المكتوبة باحتراف، يندمج القارئ في عالمها بسرعة، ويجد نفسها خارجًا منها بسرعة أيضًا، محملاً بكمٍ من التساؤلات والرغبة في استكشاف عالمه بطريقة مختلفة في كل مرة، وهو ما تفعله الكتابة الإبداعية الناجحة دومًا.

.

كذلك أمتعنا الروائي والقاص "عمرو العادلي" بمجموعتين فارقتني هذا العام، بدءًا ب"حكاية يوسف إدريس" التي حازت على جائزة ساويرس العام الماضي، والتي كانت مجموعة موفقة جدًا مزج فيها العادلي بين الواقعي والفانتازي باقتدار، إلا أنه أطل علينا مرة أخرى بإطلالة فارقة في مجموعته التالية "عالم فرانشي" التي استدعى فيها الحنين إلى عوالم الطفولة الواسعة الرحبة بمتتالية قصصية بديعة، والجميل أننا ننتظر للعادلي رواية تصدر قريبًا بعنوان (اسمي فاطمة).

من المغرب الشقيق أطل علينا الكاتب الجميل "أنيس الرافعي" بمجموعته القصصية الفارقة "مصحة الدمى" تلك المجموعة التي حملت سمتًا تجريبيًا مفارقًا سواء في الكتابة أو في طريقة تقسيم القصص وتناول حالتها الخاصة، وهي صادرة عن دار العين بالقاهرة، التي أصدرت مؤخرًا له أيضًا مجموعة أعماله الكاملة في مجلد واحد هو "متحف العاهات" وننتظر أن نحتفي به قريبًا،  كما كانت فرصة جميلة وصول الكاتب الفلسطيني الجميل "زياد خدّاش" إلى قائمة جائزة الملتقى لنتعرف على بعضٍ من أعماله فقرأنا مجموعته الجميلة "خطأ النادل" واستمتعت بطريقة التقاطه للمشاهد القصصية الفارقة وإبحاره بين المواقف الشاعرية واللغة الشعرية المميزة، كذلك أطلت علينا الكاتبة العمانية "ليلى البلوشي" بمجموعتها القصصية المميزة "كائناتي السردية" التي دارت فيها بين عوالم سردية شديدة التوّع والثراء، وتجيد توظيف اللغة الشاعرية التي تتميّز بها كتابتها في صوغ قصصها التي يبدو أنها كتبتها على فتراتٍ متباعدة، ولكنها تجمع بينهم بذلك الرباط الخفي الذكي، كونها قصصًا عن تلك الكائنات من جهة، وقصصًا مكتوبة بحسٍ شعري وبمزاج خاص من جهة أخرى، أذنت لهم أخيرًا بالخروج إلى القارئ.

ربما لم أكن أود أن أتحدث بهذا الشكل عن الكتب التي قرأتها، وتلك التي فرضت نفسها عليَّ ولم تكن في الحسبان، بل كنت أود أن أتقدم باعتذار بسيط لعددٍ من الأصدقاء الكتّاب الذين يهتمون برأيي وأتأخر في قراءة أعمالهم! وإن كان لي من أمنية (فيما يخص القراءة والأدب) في العام القادم فهو ألا يبقى عندي عملٌ مؤجل لأحد الأصدقاء لم أقرأه، وأن أكون قد أتيت على كثيرٍ من الأعمال المهمة التي أود استكشافها ولم أفعل، أتمنى أن تتحقق تلك الأمنية التي تبدو بسيطة.

 

التعليقات