أم فريدة

أم فريدة

يقولون إن الأمومة غريزة.. 

حسنا، يبدو أنها ليست كذلك

 

( 1 )

أنا أما أكبر هابقى حرة وأصبغ شعري.. وألبس بنطلون جينز اللي متقطع ده من على الرُكب، عارفاه؟ هالبسه وأخرج براحتي وأبقى صايعة بقى. 

ماشي يا فريدة.

ماما؟ 

هممممممم؟

أنا عايزة حد يبوسني زي اللي في الفيلم ده.

أما تكبري وتحبي هتتباسي.

يووووه.. لسه أما اكبر؟ ده كله؟

معلش

طب أنا هاكبر إمتى؟

بكرة تكبري يا فريدة.

إزاي يعني بكرة هاكبر.

يعني كمان كام سنة

يعني مش بكرة بقى

معلش.. مش قصدي بقى

...........

.........

أنا مش مبسوطة ف حياتي، يا ريتني ما كنت جيت الدنيا

ليه يا فريدة؟ أنا كده هازعل

أنا زهقانة.. يا ريت ربنا ما خلفني

ربنا ما بيخلفش حد يا فريدة

خلقني يعني يا ماما. افهمي

حاضر..

هو مين اللي خلف ربنا؟

يا حبيبتي ربنا ما حدش خلفه، مش إنت عارفة سورة الصمد؟ مش بتقول إن ربنا "لم يلد ولم يولد"؟ 

آه

ده معناه إنه لا خلف ولا حد خلفه.

طب جه إزاي؟

مش عارفة.. أما نروح عنده ابقى اسأليه

هو فين؟

فوق في السما.. شايفنا كلنا من فوق 

هو فيه حد تاني معاه

لا.. ربنا مافيش حد معاه.. هو ربنا واحد بس

يعني قاعد في الشقة لوحده"

ده كان جزء بسيط من حوار لفريدة معايا وإحنا راجعين من تمرين السباحة والبالية وشايلة شنطة تمرين شنطة طلبات وهاموت من الحر والمفروض إنها تعبانة من التمارين لكنها على الرغم من وجع ركبتها اللي تطلب أديها مُسكن أما روحنا إلا إن طاقتها لا تنضب، إلا وهي نايمة

أنا باحب فريدة قوي.. وهي نايمة

 

( 2 )

عمري ما كنت من البنات اللي عاوزين يتجوزوا عشان يخلفوا، ولا يتجوزوا عشان يعملوا أسرة والهبل ده. كنت لما أشوف طفل جميل ألاعبه وهو على إيد مامته أو أبتسم وأسكت لما تقولي "شوفتي نور حلوة إزاي؟" حتى ولدت فريدة و أنا في عمر السابعة والعشرين وأنا لا لم أكن أعرف أن أميز بين الطفل ذو الثلاث سنوات والثلاثة اشهر، بجد. 

كلهم عيال بيعيطوا وبيزنوا وبيسننوا وبيعيطوا وبيعملوا بيبي وبيشدوا الحاجات يكسروها، لم أكن أعرف متى يبدأ الطفل في السير أو الحبو أو التسنين، بينما أعرف فتيات كثيرات يعرفن عن الأطفال ما لم أعرفه أنا إلا بعد الإنجاب.

لم يكن يشغلني أي طفل أو فكرة الإنجاب، لم أحلم يوما أن أكون أما، لأنه ببساطة ده هم ومسئولية و"أنا عايزة أعيش حياتي" زي فريدة ما قالت لي في مرة عشان زهقت من قعدة البيت لمدة يوم واحد.

من أول ما اتولدت وهي بتعيط أو بتزن أو بتتكلم أو بتطلب طلبات لكن بشكل عام فهي ذكية ولمضة ودمها خفيف ويمكن ده اللي مصبرني على إحساس الـ"لبسة" اللي لبستها ف حياتي.

أنا ما باحبش الأطفال. مين اللي قال إن الأطفال حلوين؟ لما باتواجد في مكان لعب أطفال باكتشف إنهم قد إيه ملاعين صغيرين ومش كل الأطفال أذكيا ولا دمهم خفيف ولا يتحبوا، فيه ستات ورجالة بيشيروا صور أطفالهم على فيسبوك بأبقى عايزة أقولهم عيالكم دمهم تقيل شبهكم.

حتى لو الأطفال اللي حواليا بيهزروا وبيضحكوا بألقى نفسي متوترة ومشدودة، إحساس المسئولية هو اللي بيسيطر علي في وجود الأطفال مش الحب ولا الانبساط.

يمكن ده اللي باحسه مع  فريدة إني مسئولة عنها أكتر من أني بانبسط بوجودها، حاولت كتير بس فشلت. 

الغريبة إني لقيت أمهات كتير كده، وده اللي وصلني لفكرة إن اللي اخترع كلمة "إن الأمومة غريزة" ده راجل ابن تربتاتيت، وقصده يلبسنا اليلة بشياكة ويخلع هو وبقية الرجالة من مشاوير التمارين ومذاكرة العيال واللف بهم على الدكاترة وتنضيفهم وتأكيلهم، بحجة إن الرجالة ما بتعرفش تعمل الحاجات دي لأن الأمومة إيه؟ غريزة يا جماعة. أيوه.

هو الحقيقي إننا – ستات ورجالة – زي بعض، متساويين في كل حاجة حتى الحب اللي جوانا لعيالنا وإحساس المسئولية موجود في الأب والأم، وبتتراوح درجته، بمعنى هتلاقى أب حنين وأب بارد لا مبالي، هتلاقي أم حنينة وأم مش بيفرق معاها عيالها كلوا ولا نضاف ولا لأ.

أعرف رجالة كتير بتهتم بعيالها أكتر من الأم وكذلك فيه أمهات كتير مكبرة دماغها من مسئولية أطفالها.

الموضوع لا غريزة ولا نيلة.. الموضوع متعلق بالطبيعة الإنسانية اللي عند الراجل والست. وياريت يوم ما تتجوزوا وتقرروا تخلفوا اتأكد إنك اتجوزت أم رؤم بتحابي على عيالها وقبل ما تقرري تخلفي فهميه إن ما فيش حاجة اسمها الأمومة غريزة عشان أنا مش هاشيل المسئولية كلها بحالها يا إما نتجوز وما نخلّفش حضرتك.

وأخيرا.. أنا أدرك إمكانياتي الأمومية لو صحت المفردة، أعرف تماما إن آخري فريدة.. عدد واحد طفل. 

إنت كمان لازم تعرفي إمكانياتك و قدرتك، لو هتقدري تربي أكتر من طفل والأب بيساعد يبقى حلو جدا، لكن لو مش قادرة بلاش نخلف على الفاضي عشان نجيب عيل يلعب مع أخوه.. أو نحقق للأجداد حلمهم في الامتداد والكثرة ونرضخ للمطلب الجماهيري "ما تخاويه".

التعليقات