الهواء أسود

الهواء أسود

- من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد الأسبوعية

فى عام 1963 أراد الكاتب الشاب أحمد رجب السخرية من عدد كبير من نقاد الأدب المتقعرين، فنشر مسرحية «فصل واحد» من تأليفه هو فى مجلة «الكواكب» تحت عنوان «الهواء الأسود»، وكتب أن مؤلف المسرحية هو الكاتب السويسرى فريدريك درينيمات، وطلب من عدد من النقاد التعليق على هذه المسرحية، المكتوبة على طريقة المسرح التجريبى، والغريب أن درينيمات لم يكن ينتمى قط إلى هذا النوع من الكتابات المسرحية، وسرعان ما استجاب نقاد وكتبوا تقريظا فى هذه المسرحية، وأنها فتح جديد فى عالم الكتابة، وكانت الفضيحة أن ثلاثة من النقاد كتبوا كأن أديبا عالميا هو المؤلف، إلا أن أحمد رجب أسرع بكشف الحقيقة، وأن نقادنا الكبار لا يفهمون فى النقد، خاصة فيما يتعلق بالإبداع التجريبى

كان من الأشرف لهؤلاء النقاد اعتزال الحياة الأدبية وبحثوا عن مهن أخرى، إلا أن النسيان غلف الفضيحة مع مرور الزمن وصار النقاد الثلاثة هم الأشهر، واستمروا يعملون فى الجامعات، يدرسون للشباب، ويحصلون على الجوائز الأدبية الكبرى، ويتولون رئاسة تحرير المجلات الثقافية، ولو أننى نشرت أسماء هؤلاء النقاد لاتّهمنى الكثيرون بكل أنواع الصفات الدنيئة،

لكن الآن، وبعد أكثر من نصف قرن تكررت الحكاية بمفردات جديدة، حيث قام شاعر مغمور بإرسال ديوانه الجديد إلى الكثير من النقاد والباحثين فى الشعر  وراح يطاردهم فى الهواتف بأن هناك مسابقة حول الكتابة عن الديوان، وأن الجوائز جزيلة للغاية وبآلاف الدولارات، وكان ملحًّا بقوة، وسرعان ما استجاب النقاد وكتبوا عن الديوان الهزيل، كأنه درر الشعر، وسرعان ما انكشفت اللعبة، وصارت فضيحة كالهواء الأسود، بل أشد، فالإغراء بالمال  زاد من قريحة التحليل، والمدح، وقرأنا أن عشرات من أسماء نقاد وأساتذة جامعة تمنوا لو حصلوا على المكافأة المنتظرة

لن نخوض فى التفاصيل، بل نحن نقرأ الحاضر والمستقبل دون التعلم من الماضى الذى نسيناه، فهؤلاء النقاد المحترمون الموصومون سوف يحملون لواء الثقافة بكل  ما بها من سطحية وسذاجة، وسيكرر التاريخ نفسه طوال خمسين عاما قادمة

ويا له من هواء أسود.

التعليقات