الشفافية المفقودة

الشفافية المفقودة

- من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد الاسبوعية

كل الأخبار المتداولة تؤكد أن صندوق النقد الدولى سيعطى الحكومة المصرية قرضًا بقيمة 12 مليار دولار على 3 سنوات، لكن حتى تلك اللحظة لم تعلن حكومتنا عن الشروط التى فرضها الصندوق كى يمنحنا القرض، والتى بالضرورة قد وافقت عليها الحكومة.

صندوق النقد الدولى ليس جمعية خيرية تنفق يمينًا ويسارًا على من تحب، بل مؤسسة دولية شديدة التعقيد فى قراراتها، يكفى أن تعرف أن هذا الصندوق يقدم نوعين من القروض، أحدهما ذو تيسيرات عالية، وهو الذى يمنحه للدول الغنية الأعضاء بالصندوق دون شروط، والنوع الثانى من قروض الصندوق يقدمه للدول النامية من أمثالنا، وعندها يفرض المزيد من الشروط.

فى السنوات العشرين الماضية لجأت مصر للصندوق خمس مرات، ورفضت شروطه 4 مرات، إلى أن وافقت فى الخامسة، كان الله فى عون حكومتنا فليس لديها بدائل كثيرة كى تخرج من الورطة الاقتصادية التى وصلنا إليها من عجز كبير فى الموازنة، ووجود سعرين للدولار، وتراجع حاد فى الاحتياطى من النقد الأجنبى، وشح كبير فى مواردنا من العملة الصعبة، ناهيك بتراجع الصادرات وكذلك السياحة بدرجة كبيرة.

سيمنح الصندوق مصر 4 مليارات دولار سنويًّا، وإذا علمنا أن فاتورة وارادتنا من الخارج تصل إلى 80 مليار دولار (البعض يؤكد أنها بلغت 100 مليار دولار) فإن ما سيمنحه الصندوق لنا لا يصل إلى 6% من إجمالى وارادتنا، وهو مبلغ ضعيف، ومن ثمَّ وجب على حكومتنا أن تقول لنا كيف ستوجه الشريحة الأولى من قرض الصندوق.

يخشى كثيرون من خبراء الاقتصاد أن يتم توجيه قرض الصندوق لسد عجز الموازنة بدلا من تدشين مشروعات صناعية جديدة، تمتص قدرًا من البطالة، التى زادت نسبتها بين الشباب أو فى إقالة المصانع المتعثرة منذ ثورة يناير، التى تجاوز عددها 4000 مصنع، ولأن الشفافية غائبة عن حكومتنا، لذا فإن المواطن حتى تاريخه لا يعرف إلى أين سيتوجه قرض الصندوق.

أضف إلى ذلك أن الشروط التى طلب الصندوق من حكومتنا تنفيذها لا نعرف هل استجابت لها الحكومة كلها أم جزء منها، والمتداول أن بعثة الصندوق طالبت حكومتنا بتخفيض قيمة الجنيه بنسبة 30%، كما أنها طلبت رفع أسعار حزمة من الخدمات والسلع كالبنزين والسولار والكهرباء والمياه والغاز ومترو الأنفاق والقطارات.

تعلم حكومتنا أن مجرد الموافقة على طلبات الصندوق ستؤدى إلى ثورة غضب بين المواطنين، لأن ذلك يعنى انفلاتًا غير مسبوق فى الأسعار، التى سيدفع تكلفتها المواطن ذو الدخل الثابت والمحدود. تقديرى أن الحكومة يمكن أن تلجأ إلى تخفيض قيمة الجنيه، ثم بعد ذلك بفترة سيحددها رد فعل المواطن سيتم رفع الأسعار تباعًا.

كل ما نطلبه من حكومتنا فقط الشفافية فى معرفة أوجه إنفاق القروض والشروط التى وافقت عليها لتمرير القرض، هل ما نطلبه بات أمرًا صعبًا على الحكومة؟ لا أظن ذلك.

التعليقات