قبل أن يُفلت الزمام

قبل أن يُفلت الزمام

- من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد الاسبوعية

كلام رؤساء البنك المركزى فى العالم يكون بحساب شديد، بل إن بعض هؤلاء الرؤساء قد ينهون مدة خدمتهم ويرحلوا عن مناصبهم دون أن يضبطوا بأى تصريح صحفى أو حوار تليفزيونى.

الحال فى مصر مختلف شوية، قل شويتين، فالسيد محافظ البنك المركزى طارق عامر ومنذ أن تولى منصبه وهو كثير التصريحات خاصة فى أيامه الأولى بمنصبه، طبعا لا غبار على ذلك، هو حر فى اختيار توقيتات تصريحاته ونوعيتها.

إذن أين المشكلة؟ المشكلة نشأت فى الأيام الأخيرة من شهر رمضان وعقب عيد الفطر، عندما أدلى طارق عامر بحوار صحفى لجريدتى المال (يومية اقتصادية) والأهرام على التوالى، وألمح فيهما إلى نيته لتخفيض جديد للجنيه المصرى.

عقب هذه التصريحات حدث ما يلى:

1- قام تجار العملة بالسوق السوداء بتخزين الدولار بهدف رفع سعره عبر نظرية العرض والطلب.

2- احتفظ كل حائز عملة أجنبية من المواطنين بما فى حوزته ورفض بيعها تحسبا لارتفاع قادم وكبير فى أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه.

3- ارتفعت الأسهم فى البورصة المصرية إلى مستويات كبيرة لم تسجلها منذ فترات طويلة، بعد أن راهن الجميع على قرب تخفيض الجنيه وحددوا له موعدا هو أول ثلاثاء بعد إجازة عيد الفطر، حيث هو اليوم الذى يبيع فيه المركزى إسبوعيا 120 مليون دولار للبنوك المصرية.

كان اللافت للنظر فى أيام الترقب أنه لأول مرة فى تاريخ خفض الجنيه المصرى يعلم سوق الصرف والمتعاملين معه موعد تخفيض العملة لذا تلاعبوا بالجنيه حتى يجنوا أرباحا طائلة.

المفاجأة أن اليوم الموعود انتهى دون أن يقوم المركزى بتخفيض الجنيه مثلما ألمح محافظه، فهوت البورصة متراجعة وكذلك انخفض سعر صرف الدولار مقابل الجنيه فى السوق السوداء.

بصراحة أنا غير معنى بقرارات المركزى وتوقيتاته وأسعار الأسهم فى البورصة أو تكبيد مضاربى الدولار خسائر، ما يهمنى هنا هو المواطن البسيط الذى يشكل الغالبية العظمى من الشعب المصرى، فإذا جرى تخفيض جديد، فهذا يعنى تضخم وانفلات الأسعار مما سيزيد من معاناة هذا المواطن، لأنه ستقل القوة الشرائية للجنيه، كما أن دخله لن يزيد بنفس نسبة تراجع الجنيه وبالتالى هو الذى سيتحمل الفاتورة.

لذا فإن قناعتى أن قرار المركزى بتخفيض الجنيه هذه المرة هو قرار سياسى وأمنى بامتياز، لا ينبغى تركه لسلطات وتقدير محافظ البنك المركزى منفردا (مع احترامنا لشخصه وخبرته) بل إننى أراه هذه المرة قرار دولة بكل مؤسساتها وأجهزتها حيث لن نضمن رد فعل المواطن عندما يواجه موجة جديدة من الغلاء فى أسعار السلع والخدمات، خصوصا أن المواطن (على آخره) وحتى لا يفلت العيار.

فى هذا الإطار فوجئنا بأخبار من داخل مجلس الوزراء تفيد برغبة الحكومة رفع الدعم ولو جزئيا عن الكهرباء والبنزين، رغم أن الرئيس السيسى طلب من الحكومة تأجيل قرار زيادة أسعار الكهرباء إلى عدة سنوات أخرى لكن لأن حكومتنا تعانى من عجز مالى فادح فى الموازنة بعد أن بلغ الدين الداخلى 2،4 تريليون جنيه، فإنها تبحث عن أى مصادر لتقليل العجز.

نداء أخير: لكل مؤسسات الدولة وسلطاتها.. افعلوا ما شئتم لكن دون تحميل المواطن البسيط مزيدا من الأعباء حتى لا ينفلت زمام الأمور.

التعليقات