الضحك على الدقون

الضحك على الدقون

لا أجد سببا أو تفسيرا لحالة الهلع التى أصابت الجميع (مسئولين ومواطنين) بعد ظهور عمليات تسريب امتحانات الثانوية العامة عبر بعض صفحات الفيسبوك، كأننا كنا مجتمعا من الأطهار الكرام البررة ثم حلت بيننا الشياطين فجأة ولا مؤاخذة.
تاه عن ذهن هؤلاء المهلوعين (نسبة إلى الهلع) أن من أنشأوا صفحات الغش الإلكترونى هم شباب فى عمر الزهور، والسؤال هو: كيف فسدت عقيدتهم اللبنية هكذا، إلا بسبب أنهم عاشوا فى مجتمع ممتلئ عن آخره بالغش، وأن هؤلاء الشباب الصغير تفتحت أعينهم صباحا ومساء على كل عمليات التدليس التى نمارسها جهارا نهارا على أرض المحروسة.
خد عندك هؤلاء الأطباء الذين يجرون عمليات زرع سماعات إلكترونية فى أذن الطلاب حتى يسهل لهم الغش فى الامتحان، هؤلاء أطباء أقسموا على احترام المهنة وعدم الغش فيها أو إفسادها لكنهم رموا ذلك كله وراء ظهورهم لأنهم طالعوا أثناء دراستهم الجامعية أسوأ صور التفسخ التعليمى الجامعى عندما أصبح ابن أستاذ الطب معيدا بالكلية دون حق فى الأغلب، وسكت الجميع عن ذلك.
هل شعرت من سطورى السابقة أننى أدافع أو أبرر الغش، أبدا والله. لكن نريد أن نحلل الظاهرة من جذورها بدلا من أن ندفن رؤوسنا فى الرمال، خصوصا أن الغش لم يكن وليد هذا العام فقط بل أصبح طقسا موازيا لباقى طقوس عملية الامتحان.
الأسبوع الماضى نشرت صحيفة الشروق خبرا لمراسلها فى أسيوط مفاده أن علية القوم فى أسيوط قاموا بنقل أوراق أبنائهم طلاب الثانوية العامة إلى لجنة البدارى بأسيوط، قُبيل بدء الامتحانات وأن ذلك مخالف للوائح والقوانين، ثم نشر مراسل الشروق عن عمليات غش واسعة تمت فى تلك اللجنة، وأن رئيس اللجنة أمام حالات الغش الكبيرة طلب إعفاءه من رياسة اللجنة لأنه فقد السيطرة عليها.
انتظرت ثورة عارمة من نواب الشعب أو الحكومة أو حتى وزارة التربية والتعليم على ما نشرته الشروق، لكن لا حس ولا خبر يامؤمن، إلى أن استمعت إلى صوت المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم وهو ينفى الواقعة بعد نشرها بعدة أيام فى أحد البرامج التليفزيونية.
لم يصل إلى يقينى نفى أو صدق الواقعة لأن ما جرى فى لجنة البدارى فى أسيوط، يحدث مثله فى أماكن كثيرة داخل الجمهورية أثناء عقد الامتحان سواء كان جامعيا أو فى مرحلته قبل الجامعية، المأساة أننا مجتمع غشاش فى كل طبقاته، لكننا لا نريد أن نعترف أن أبناءنا نسخة طبق الأصل من هذا المجتمع الذى يعيشون فيه.
الحل يا سادة يا كرام ليس فى إقالة وزير التربية والتعليم أو حتى فى القبض على أصحاب صفحات الغش الإلكترونى، الإصلاح يبدأ من الاعتراف أن منظومة التعليم المصرية برمتها تريد تغييرا جذريا وفق سياسات واضحة يضعها خبراء ذوو ثقة ووطنية وهذا لن يحدث إلا بوجود إرادة سياسية تعلن أن التعليم هو مشروع مصر القومى فعلا لا قولا، وما دون ذلك سيصبح ضحكا على الدقون.
 

التعليقات