ليس آخر المحذوفين

ليس آخر المحذوفين

قاموا بحذف اسم د. محمد البرادعي من كتب الصف الخامس الابتدائي، وهكذا سحبوا اعترافهم بأنه قد حصل على جائزة نوبل. هذا بالطبع توطئة لحذف وجوده نفسه. ليصير (لا شخص Unperson) على طريقة رواية أورويل 1984.

بالطبع لن ينتقص من مكانة البرادعي أن يحذفوه، ولن يفيده في شيء أن يضيفوه. لو إنني رسمت خارطة العالم دون أن أرسم نيوزيلندا فهي موجودة .. سواء أردت أو لم أرد. وكما تقول الإعلامية الراقية ليليان داود في تغريدة لها: "لا ينتقص من مقام عالم حذف اسمه من كراسة وورق، بل يعيبك أن يذكر التاريخ جهلك".

الأهم أن هذا الحذف حدث بطريقة (عفاريتي) لا يعرف أحد من فعلها ومتى، والكل ينكر علمه بذلك وإنه سيحقق في الأمر. قال بشير حسن المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم إن الصورة حذفت العام الماضي مع الوزير محب الرافعي (استجابة لأولياء الأمور والطلبة بعيدًا عن المواقف السياسية) و(هذا لمنع تشتيت الطلبة بين ما يدرسونه في المدرسة وبين الإعلام).  يعني الوزارة تتصرف طبق رأي أولياء الأمور فتحذف من الحقائق ما لا يريدون، ولرب ولي أمر لا يحب نيوتن مثلاً فتلغي الوزارة الاعتراف به.

كلام لا يخيل على أحد طبعًا. القصة باختصار شديد هي اللدّ في الخصام مع خصم سياسي، والرغبة العارمة في نفاق الحاكم.

البرادعي شخصية مثيرة للجدل، أحدثت دوائر لا تنتهي في بركة السياسة المصرية الراكدة،  وما دمت أقول رأيي الشخصي فأنا أفهم كراهية مبارك الشديدة له. لقد عرف الخطر القادم بذكاء شديد.  بعد هذا مثّل البرادعي للشباب حلم الدولة المدنية، فكان هدفًا لعداوة من يريدون حكمًا دينيًا ومن يريدون حكمًا عسكريًا، وكانت حملة التشهير لا تتوقف عند حد، ومست شخصه وعرضه وعقيدته، مع الكذب الصريح الفاضح الذي جعل معارض حرب العراق رقم واحد يصير هو المسئول عن احتلال العراق.  كما أن هناك موقفه بعد رابعة التي رأى أنها مذبحة لا يريد أن يتورط اسمه فيها بأي شكل، وهو حر في رفض الاستمرار في سياسات يرفضها.   كل هذا جعله رمزًا للخيانة والعمالة في برامج توفيق عكاشة وسواه، وكانت حياة الدريري تصرخ في غضب طيلة الحلقات مطالبة بسجنه.  هذا هو منطق (لماذا أصررت على الوثب من السيارة المندفعة بسرعة 200 كيلومتر في الساعة وتركتني وحدي يا جبان ؟).

أنت حر في رأيك في البرادعي، لكن لن نختلف حول كونه حقيقة تاريخية لا يمكن التملص منها ولا حذفها.   ليس من حق أحد حذفه من جائزة نوبل، إلا لو استطاع خصوم السادات مثلاً حذفه من قائمة الفائزين بنوبل في السلام، وبعدها سوف يحذفون نجيب محفوظ بالتأكيد.

ما حدث هو سيناريو معتاد وتقليدي جدًا مع وزارة التربية والتعليم الحريصة على الابتكار في مجال التملق السياسي.  الوزارة تتصرف دائمًا بمنطق طابور الصباح في المدرسة. الكلام موجه للسيد ناظر المدرسة .. والسيد ناظر المدرسة يهمه أن يرضى وكيل الوزارة. مواضيع الرسم هي النفاق مجسدًا: زيارة السيد الرئيس للمحافظة – توشكى – قلادة عليها صورة الرئيس. مع جو  (العلياء والسؤدد) و(السيد وكيل الوزارة نبراس العلم). ثم احتفالات المدرسة التي تعلن فرحة الأطفال بكل شيء، حتى المشاركة في قمة المناخ أو المؤتمر العاشر لسرطان الشبكية،  والفتاة – نفس الفتاة في كل مرة - المذعورة الشاحبة الملفوفة في مرآة خضراء لتقنعنا أنها مصر. رأينا كيف تحمست الوزارة أو المسئولون في مرات عديدة، مما أحرج الحاكم فعلاً. عملية حرق كتب المدرسة  في محافظة الجيزة لأنهم اعتبروها مدمرة للعقول. بالطبع مع الحماسة الوطنية والغناء والتلويح بالعلم.  كتب علي عبد الرازق وجمال الدين الأفغاني وعبد الحليم محمود وكرستوفر هارولد. رأت إدارة المدرسة أن هذه كتب متطرفة يجب ان تحرق كما ترى.

نذكر كذلك مدير دار الأيتام المتحمس الذي أوقف الصغيرات اليتيمات بثياب شفافة في زمهرير الليل ليهتفن مصر وقال مفسرًا (لأن روحي فداء لمصر). طلعت روحك يا أخي.

هذه المرة استمرت الوزارة في نفس العادة فقدمت خطوة أخرى، لا أجدها غريبة أو مدهشة لهذا الحد. ولو حدث اختلاف سياسي مع زويل فلسوف يمحون اسمه من قائمة نوبل. لن يكون البرادعي هو الأخير.

ما حدث هو سيناريو معتاد وتقليدي جدًا مع المصريين، الذين اعتادوا من القدم كلما جاء فرعون أن يمحو النقوش التي صنعها سلفه، ويحرص على كشط اسمه من الجدران، كما فعل تحتمس الثالث بكل ما شيدته حتشبسوت.

بعد هذا تم إلغاء الملك فاروق من التاريخ وكشط صوره من كل الأفلام بحماسة غريبة، ثم اضطروا لذكر اسمه من جديد ليستطيعوا أن يشتموه.  هناك رئيس جمهورية كامل تم محوه من التاريخ؛ هو محمد نجيب.

تقول النكتة إن مفتش السجون دخل زنزانة فوجد فيها ثلاثة رجال. الرجل الأول قال له إنه هتف ضد الرئيس محمد نجيب سنة 1954. الرجل الثاني قال إنه هتف للرئيس محمد نجيب سنة 1957.. الرجل الثالث قال إنه الرئيس محمد نجيب نفسه !

هناك فيلم كامل تم حجبه لفترة طويلة ثم تغيير اسمه، من (شمشون ولبلب) إلى (عنتر ولبلب) ، وهذا حتى لا يتم استفزاز اليهود لأن شمشون من أنبياء بني إسرائيل . والغريب أن الرقابة كانت صارمة لدرجة تغيير الاسم في حوار الفيلم نفسه. الشخصيات تحرك فمها بلفظة شمشون بينما الكلمة التي نسمعها هي عنتر. 

ما حدث هو سيناريو معتاد وتقليدي جدًا مع أمة بلا ذاكرة، مهمتها الوحيدة هي اللحظة الحالية ونيل رضا الحكام في كل العصور. 

إن حذف البرادعي من كتب التاريخ ليس حدثًا غريبًا، وبالتأكيد لن يكون الأخير. بل ستظل الحقائق التاريخية تحت رحمة أهواء السياسة  وتقلباتها.

التعليقات