الرسالة الأولى لأخي الذي سافر إلى هولندا منذ أيام

الرسالة الأولى لأخي الذي سافر إلى هولندا منذ أيام

(1)

صباح الخير

اليوم هو الثالث والعشرون يا حبيبى على سفرك، وهو أيضًا اليوم الخامس عشر على وفاة 6 مواطنين غرقًا وبالكهرباء في الإسكندرية عقب تعرض معظم شوارعها للسيول في إحدى النوات المعروفة منذ قرون، وذلك لعدم تسليك بالوعات المطر، وهو اليوم الحادى عشر على سقوط الطائرة الروسية في سيناء، واليوم العاشر لملحمة "ما يصحش كدة"، واليوم الرابع لإعلان روسيا تعليق رحلاتها الجوية لمصر، وسحب كل الروس من مصر، وهو  اليوم الثالث لاعتقال حسام بهجت وتحويله لمحاكمة عسكرية، واليوم السادس للاحتفال بعيد الحب المصري، واليوم الأول لخروج حسام بهجت بعد رسائل غضب من الأمم المتحدة للنظام المصري.

هذة هي آخر الأخبار منذ أن سافرت أنت لهولندا إن كنت تهتم، أما أخبارى فأنا الآن أجلس تحت شباك شقتى في شارع السلام بفيصل، أستمع لدقات السمكري وتتناوب على أذني صوت الآذان من ميكرفونات زوايا البيتين المتجاورين، بخلاف الجامع الكبير لأنصار السنة المحمدية على ناصية الشارع  بصوت بشع لعلك تتذكره، عدا هذا فكله تمام لا تزل القمامة تُلقى جوار سور المدرسة كما هو الحال منذ 7 سنوات، وتنتشر البرك في "حفر" الشارع فنتراقص أنا وفريدة ونحن نقفز بينها. أما فريدة فهى تمام تتابع دروس البالية والبيانو بغير انقطاع، أما نحن –أنا ومحمد– فنحاول ألا نكتئب في ظل الأخبار الأخيرة وتردي الوضع الاقتصادى خاصة في مجال الصحافة بتعليمات عُليا، كإغلاق جريدة التحرير، وساويرس الذي يعرض حصته في "المصرى اليوم" للبيع، وتسريح العديد من المحررين بعدة جرائد، فأصبحنا كما تعرف متوترين خائفين يدور في ذهني أنا تحديدًا سؤال: "هل سندفع الإيجار الشهر القادم؟ وهل سنستطيع دفع قسط المدرسة في الـ "تيرم" الثانى لفريدة، فأنت كما تعلم عني لا أجيد الادخار أو بمعنى أصح لا يتبقى الكثير. أما عن أمك فهي هانئة قريرة العين بما يفعله الجنرال، ترى كل هذة المؤشرات والأخبار من صنع الإخوان، أما غلاء الأسعار فأكيد ربنا بيبارك في القليل والدنيا هتمشي، وزيادة البلطجة في الحي الذي تسكنه مجرد ظاهرة اجتماعية تفشت وربنا يهدي الشباب، ولكن لا تقلق فقد كففت عن مناقشتها في الأمور السياسية أو الأخبار، لأنها – وهي أمي التي عرفتني منذ ولدت وتعرف توجهاتي السياسية – ترد دائمًا على انتقادى لأداء البرنس بأني إخوان. آه والله يا عزيزي.

أكتب إليك لأول مرة منذ سفرك لأعلمك أنك كنت على حق. هذة البلد تسحب أرواحنا إن لم تكن تعتقلنا أو تقتلنا أو تخوننا، كنت على حق في بحثك عن فرصة أخرى في مجتمع يحترم القوانين، إعلم يا عزيزي أنك ستحصل على الاحترام هناك ولكنه سيكون احترامًا باردًا صناعيًا، فبداخلهم أنت دخيل عليهم أتيت من دولة نامية تخضع لحكم عسكري عقب انقلاب، حسبما يرى كثيرين منهم، أنت مثابر ونشط ومجتهد وسريع التعلم، لكنك مصري ولست نقي النوع مثلهم، لن يعاملوك بعنصرية مثلما تفعل سيدات المترو مع السودانيات بافتعال المشاجرات والتطاول بالشتائم، لن يفعلوا لكنهم لن يعتبروك منهم.

كنت على حق يا عزيزي عندما توقفت عن التظاهر- منذ محمد محمود الثانية عندما اقتحمت الشرطة العسكرية ميدان التحرير على المتظاهرين وعدونا سويًا في اتجاه عبد المنعم رياض - توقفت أنت بعدها وصرت تتابع الأخبار من بعيد ثم توقفت تمامًا عن الحكي والاهتمام بما يحدث حولك، لم أكن أفهم حينها وكنت أتهمك بالتخاذل وأنك الواد الطري ونفسك قصير، لكنني صرت الآن مثلك.. ليس مثلك تمامًا فلا أزال أنفعل لدقيقتين عقب سماعى أي خبر مستفز ثم أهدأ للأبد، لم أكن أعرف أنك تعاني في مجال السياحة أو ما كنت ستعانيه الآن في ظل سحب روسيا – وهم النسبة الكبيرة من السياح خاصة في شرم الشيخ وسيناء حيث كنت تعمل – أذكر الأن أنك أخبرتني قبل سفرك بأيام أن المنطقة التي قُصف فيها تخييم السياح المكسيكيين في الواحات هي منطقة يتم التخييم فيها عادي جدَا وخط سيرها معروف لدى كل شركات السياحة، وأن المرشد لم يخرج عن المألوف، وأنك يا حبيبي كنت قد خيمت فيها عشرات المرات من قبل.

أتخيلك الآن في مدينة دهب لا تجد عملًا أو كنت في فوج السياح المكسيكيين، فأحمد الله على خروجك من هنا سالمًا مطمئنًا.

" – تسافر وفاكر هترتاح هناك؟ وتاخد صحابك وحلمك معاك، ومامتك وأختك وخالتك وأوضتك، هينفع تسيب اللي حبك وراك؟

-  هاسافر وأجرب

-  بتكدب بتهرب

-  ما يمكن هتضرب

-  ما تسأل مجرب

-  أنا جبت أخري

-  يا واد لسة بدري

- ما توجعش راسي

-  وليه تبقى قاسي

-  وإيه اللي فيها

-  ده فيها وفيها

-  بطالة ومشاكل

-  ده بجنية بتاكل".

أغنية مسافر - عدوية

(2)

أما عن سؤالك لي بإمكانية السفر يومًا ما لألحق بك حتى على المدى البعيد بعد سنوات، فدعني أخبرك أننى "فقر" لا أستطيع أن أترك هنا بكل ما فيه من خ... ومشاكل واقتصاد وتعليم زي الزفت، لن أستطيع أن أفعلها، فالذي ساعدك هو أنك صرت أكثر عملية بلا مشاعر في مرحلة ما، وهو ما لن يحدث معي، سأتحول إلى جبلة وباردة لكنني بداخلي حب عبيط لهذا البلد، كثيرًا ما أظن أنه خلاص انتهى من جوايا الحب ده مع سماع حالات الاختفاء القسري وتطاول الأمن على الناس في اللجان بالشوارع، لحد التعذيب، أظن إني كرهتها كلما سمعت نبرة صوت البرنس العظيم.

كلما ذهبت للسوق ووجدت الأسعار ترتفع، وكلما زاد عدد الشحاتين في طريقي كل يوم – أنا أحصيهم في كل مرة بالفعل – أظن حينها أنني سأفعلها مثلك وأغادر ولكن يحدث شيء صغير وبسيط وتافه، فأجدني أقشعر وأكاد أبكي مثل المرة التي عبرت فيها سفينة بضائع أثناء افتتاح قناة السويس، هذه المرة كنت مستفزة من كمية المبالغة الإعلامية لتغطية الحدث – وهو بالفعل مهم وليست تفريعة كما يقول الكثيرين من الإخوان أو المعارضين بغباء للمشروع، لكن ليس مثلما صوروه لنا، فهي ليست تفريعة وليست قناة جديدة أيضًا – وقتها أثناء متابعتى لخطاب الرئيس السيسي مرت سفينة وأطلقت صوت بارجها ليقطع الرئيس خطابه لا أعرف لماذا اقشعر جسدي وشعرت في لحظتها أنني عبيطة جدًا يا أخى. كدت أبكي ودق قلبي، ولعنت البلد التي اكتشفت أنني لا أزال أرتعش فرحه لعبور سفينة في مياة قناة السويس.

هل تذكر أغنية تتر برنامج الفرنجة؟ منذ يومين كنت أشاهد البرنامج واستمعت للأغنية فتذكرتك ونحن نسمعها لأول مرة سويًا، وكيف كنت أردد لك كلماتها فتضحك وتخبرنى أنك ستسافر خلاص خلال شهرين.

استمعت لها منذ يومين وبكيت بشدة ليس فقط لفراقك، ولكن لأني مثل عدوية أرى مصر "دي فيها وفيها".

سلام يا حبيبي

ملحوظة: رمضان الجاي هازود عين الجمل عشان تاكل فيه براحتك من غير ما أضربك، إعمل حسابك تيجي بقى

التعليقات