ثقافة الديكا.. يا ويكا

ثقافة الديكا.. يا ويكا

فتحي سرور يا ويكا‏..‏ الكل يحبك حب الفرخة للديكا

أما حبك للقانون فهو في دمك وكلاويكا

أستاذ قانون ناجح لم تعرف شغل البولتيكا‏

لأن مصر دايمًا في قلبك‏..‏ ليس لها شريكا

طلبة الحقوق بيقولوا كلامك حلو وسكر‏..‏ وعامل زي المزيكا‏

هذا الكلام الركيك المتظرف ليس (قلشًا) يتبادله الشباب على فيس بوك، ولكنه رئيس وزراء مصر الأسبق علي لطفي يلقي شعرًا في حفل تكريم فتحي سرور رئيس مجلس الشعب، وهو حفل في فندق كبير أقامه مثقف سعودي يحب مصر هو د. غازي عوض الله، وحضره سفراء وقناصل. حدث هذا عام 2009، وقد كتب الشاعر الكبير فاروق جويدة في الأهرام (10 أبريل 2009) -مذهولًا- عن هذا المشهد العجيب. وقال إن هذا الكلام لو قاله شعبولا لطردوه من الحفل. ومن ضمن كلمات الأستاذ الرائع فاروق جويدة:

" في زمان مضى ما زلت أذكر حفلات التكريم التي كانت تتزين برجال مصر ورموزها في الفن والإبداع والقانون والثقافة‏، وكانت مرافعات رجال القانون المصريين دروسًا في اللغة والرقي والترفع.. وما أكثر خريجي كليات الحقوق الذين حملوا رسالة الأدب والكلمة الجميلة والإبداع الخلاق، وكان لقب رئيس وزراء مصر يهزّ أرجاء هذا الكون قيمة وبريقًا ودورًا، وكانت تصرفات وسلوكيات كبار المسئولين عندنا تعكس قيمة شعب وثقل دولة"..

لا تنس أنه في الزمن السعيد القديم كان د. طه حسين العميد الرهيب المهيب يذهب للسعودية فيستقبلونه استقبال الملوك والرؤساء.

اشاعر لم يكن يمزح بل كان يعتقد أن هذا شعر جيد.. أو على الأقل ظريف.  فإذا تجاوزنا عن الأخطاء اللغوية التي توزن بالرطل، ونصب المجرور بحجة انها ضرورة شعرية، فإن هناك سماجة عامة في الأبيات وفقر خيال. وهذا يؤكد لك إن وباء نقص الثقافة قديم في مصر ..

أذكر رئيس الوزراء الذي وقف يقرأ خطبة أيام مبارك، ولعل خط الكاتب لم يكن واضحًا أو هناك عيب في الطباعة، فراح يقرأ (إن الـ ....واد الأعظم من الشعب).. ثم يدقق في الورقة ويبرطم همسًا شاتمًا الصحفي الأحمق كاتب الخطاب، ويكرر (إن الـ ....واد الأعظم من الشعب).. وفي النهاية هداه الله إلى الصواب وأن هذا حرف (سين).. (إن الـسواد الأعظم من الشعب).

هناك مواضيع كثيرة مُنع النشر فيها مؤخرًا، وأعتقد أنه عما قريب سيمُنع نشر أخبار منع النشر، وربما لن تستطيع التعليق على أفلام السبكي أو كروت الاتصال، لهذا لن أطيل الكلام عن السيد وزير التربية والتعليم الذي يحتل نفس مقعد العميد طه حسين.  سأتكلم بسرعة قبل أن يمنعوا نشر قصته. وأتكلم كذلك من فرضية أن الصفحة المذكورة غير مدسوسة عليه، ويبدو أنها تخصه فعلًا كما هو واضح.

كل الناس تخلط بين الذال والزاي عمومًا، لهذا لن أعلق على هذه النقطة، حتى لو كان الرجل يكتب (ألزمة المالية)، ولا أهتم بلغة الرجل - الذي لم يزعم أنه عضو مجمع لغوي - قدر اهتمامي بأدائه الذي لم يتبين بعد،  لكني بالفعل قلق متوجس ممن يكتب أبيات شعر على غرار:

متقوليش متقوليش ... جيش بلدنا زيه مفيش

واقف إنت تتكتك وتدفيها... هو هنا وهناك سهران يحميها

فهي تذكرني جدًا بجو (الكل يحبك حب الفرخة للديكا)، ولها كذلك رنين (فيكي فيكي.. أنت صديقي) أغنية فؤاد المهندس. ثم ما الذي يقوم المخاطَب بتدفئته فعلًا؟ نقطة غامضة ..

كذلك أبيات مثل:

على مين على مين.. على مين دا يا سفلة يا معتوهين.. عمري ما أحب الخونة ولا حتى الكدابين.. هو اللي بيبع أهله ووطنه حيكون له خير في مين؟

فعلًا تراث (فتحي سرور يا ويكا) مستمر في الدولة المصرية واللي خلف ما ماتش.

هناك وباء عام من الضياع اللغوي في ربوع مصر.. كتبت من قبل إنني قرأت في صفحة واحدة من التعليقات كلمات (الطراب (التراب) -  الفوضا – اذا بوليتم فاستترو – لاكن – موقارانات – انتا – هشام انديل -  يالا العار (ياللعار) -  الرااءيس -  ميثال التضحية -  تشبس بالقيم – خوزاعبالات -   الاخوان ليهم يد فى مزبحة رفاح وربنا يستورها لان كده واضحت الروئيه).  دعك من (اللاه وأكبر) بمعنى (الله أكبر). تحرق دمي فعلًا.

هل ما زالت المدارس تدرس الإملاء؟ هل ما زال هناك شيء اسمه إملاء؟ هل من شيء اسمه مدارس؟

لهذا أطلب من السيد الوزير أن يهتم بتدريس الإملاء في مدارسه؛ لأن هناك طلبة كثيرين يكتبون (مزيع قناة الجزيرة) و(تعزب نفسك). قرأت قصة جميلة عن رجل بدوي نزل سوق البصرة لأول مرة، فوجد الناس يلحنون في اللغة العربية، فصرخ وقال: "يا ربي كيف يلحنون ويُرزقون؟".  فهو يرى أنهم يجب أن يعاقبوا بقطع أرزاقهم عقابًا لهم على الخطأ في لغة القرآن.

ليست المشكلة هي اللغة فقط.. قالت لي قريبتي الشابة إنها لا تجد أي نفع للرجل المدعو طه حسين الذي درست قصة حياته في (الأيام)..  كل إنجازاته هي أنه كان يحب أكل البليلة ولا يقدر على شرائها! تذكرت هنا أن الدروس الخصوصية تدرس كل شيء في كتاب الأيام ما عدا أهمية هذا الرجل العظيم طه حسين. رجل كان كفيفًا وذهب للقاهرة ليدرس في الأزهر .. ولكن من هو حقًا؟ لا يعرفون عنه سوى سؤال البليلة الذي يتكرر في امتحانات عدة أعوام.

أتحدى أن تجد من كل عشرة طلاب ثانوي ثلاثة يعرفون أن جوناثان سويفت هو مؤلف جليفر، وأن أنطون هوب هو مؤلف سجين زندا.  الهدف الوحيد من التعليم هو الحصول على 99.99% في الثانوية العامة، والدروس الخصوصية تفعل ذلك بنجاح تام، فما أهمية أن تعرف أي شيء خارج مذكرة الدرس؟ لماذا تضيع وقتك في كلام فارغ؟.. أذكر أن رواية (القلعة) الرائعة لكرونين كانت مقررة علينا في الثانوي، فقال لنا المدرسون إنه لا وقت لتضييع الوقت في قراءة هذا الهراء.. سوف نلخص لكم الرواية في عشرين سؤالًا.

التعليم في مصيبة ويحتاج إلى (سورة) تصحيح. أرجو يا سيدي الوذير أن تنجح في هازه الموهمة العاسيرة.

التعليقات