حجة اللئام

حجة اللئام

كانت تلك الطبيبة غاية في الثراء، فلابد أن أهلها يملكون إحدى جزر الأوقيانوسية بِمَن عليها من بشر.  وهذه الأسرة تملك نفوذًا هائلاً، من الطراز الذي يسترد رخصة القيادة بعد خمس دقائق لو جرؤ رجل مرور على أخذها أصلاً، ويمكنه أن ينهي إجراءات تجديد الرقم القومي في صالون البيت على طريقة (عريس من جهة أمنية)،  ولديها حشد من أونكل فلان وأونكل علاّن الذين يمكنهم أن ينهوا أي مشكلة بمكالمة من طراز (والله واحشنا يا بيه).. وأي كلام تتكرر فيه كلمتا (يا بيه) و(يا باشا) ألف مرة.  

أشهد أن تلك الزميلة لم تستغل نفوذها قط.. أو على الأقل لم تفعل هذا أمامي. لكن كان معروفًا أنها تمقت أن يسدي لها أحدهم الأوامر بجفاف أو يتعالى عليها، حتى مدير المستشفى نفسه. وقد أدرك رؤساؤها أنها لا تهاب أحدًا ولا شيئًا، لذا كانوا حذرين معها.. أدركوا أن المعركة معها قد لا تأتي بالنتائج المرجوة، لأنك على الأرجح ستُسحق في النهاية أمام نفوذها. يعني ستفعل وتقول ما تريد، ولو حاولت أن تعاقبها فلسوف تتدخل جهة أعلى لترفع العقاب وتعاقبك أنت. لهذا تركوها في سلام وراحوا يمارسون وقاحتهم وسُلطتهم على من هم أصغر شأناً أو أفقر أو أقل نفرًا.. هناك أشخاص صالحون جدًا لممارسة السادية عليهم، ممن نسميهم (بلا ظهر)، فلا تحرج نفسك مع هذه. حتى لو لم تجد أشخاصًا أضعف منك يمكنك دائمًا أن تركل القطط في الأزقة.

كانت الحاجة زينب مريضة في القسم، في الستين من العمر،  فقيرة كقطط الشوارع، وحيدة كسمكة المقاتل السيامي، مريضة كالمرض نفسه.. ثياب ممزقة رثة، ومرض عضال اسمه تصلب الجلد Scleroderma أدى لتساقط أناملها كمن أصيب بالجذام، كما أن كبدها لم يكن على ما يرام...

ذات يوم كانت الطبيبة مشغولة جدًا فلم تقم بالمرور على هذه الحالة، ويبدو أن العجوز طلبت منها أشياء فلم تفعلها. كانت الطبيبة تجتاز الممر عندما ظهرت الحاجة زينب لتقطع الطريق  أمامها، ثم راحت تلومها بكل ضيق خُلُق الشيخوخة المعهود.. لقد تعالى صوتها حتى سمعه الجميع، وشتمت الطبيبة وأهانتها مرارًا.

فوجئتُ بالطبيبة الثرية التي لا تطيق ربع كلمة من مدير المستشفى والتي يرتجف الرؤساء لدى رؤيتها، فوجئت بها تطرق برأسها في خجل وندم وتكرر:

ـ"أنا آسفة يا أمي.. سامحيني"

المريضة بأناملها المبتورة التي ينزُّ منها الصديد تمسك بذقن الطبيبة حتى لا تطرق برأسها، وتستمر في توبيخها بقسوة.. بينما الأخيرة تكرر الاعتذار بلا توقف وقد احمر وجهها.. في النهاية تدخلتُ وتدخلَتْ بعض الممرضات لإنهاء هذا المشهد السريالي، وتلقت المريضة بعضًا من الشتائم بدورها، بينما الممرضات يعدنها لفراشها في العنبر..

هزَّني هذا المشهد كثيرًا وظللت أجتره ليلاً نهارًا. من المفهوم أن يحمل الناس قدرًا من العدائية والحسد تجاه الطبيبة التي تملك كل شيء. كان بوسعها نسف المريضة أو طردها في أي لحظة، لكنها أدارت لها خديها تصفعهما كما تشاء، لسبب بسيط: هو أن العجوز لا تستطيع عمل شيء على الإطلاق ومعدومة الحيلة تمامًا.  الحقيقة أن الطبيبة لم تكن بهذا السوء وقد تبدل رأيي فيها مئة وثمانين درجة. فيما بعد سمعتها تقول للطلاب بلهجة تقريرية:

ـ"شعارنا يجب أن يكون: جزمة العيان فوق راسك.. لكن اضرب قرايبه بالجزمة!".

والحقيقة أن أقارب المرضى غالبًا ما يكونون كائنات مزعجة حشرية، وكل طبيب يعرف الطريقة المثلى للتخلص منهم: "نريد متبرعين بالدم لقريبكم!". عندها يتبخر الحشد المتحمس المحيط بالمريض. 

موقف هذه الطبيبة يذكرني جدًا بآية سورة الفتح: "أشداء على الكفار رحماء بينهم". صحيح أن الرؤساء ليسوا كفارًا لكن المبدأ قريب جدًا من هذا.   كلنا ضعيف، متراخ، وديع كالأرنب مع رؤسائه أو القادرين على إيذائه، بينما هو قاسٍ، وقح، صارم مع من هم أضعف منه. المعجزة الحقيقية وذروة النبل هما أن تصير ضعيفًا وديعًا مع من تقدر على إيذائهم وتدميرهم، بينما تعامل الرؤساء بكبرياء وكرامة ولا يطالبك أحد بأن تكون قاسيًا وقحًا!. على طريقة دروس اللغة العربية للصف الأول الثانوي، نقول إن الدرس المستفاد هنا هو: بعض الناس قد يكونون أفضل مما تظن. 

الدرس الثاني المستفاد من هذه القصة أن الحلم يكون نبيلاً فعلاً عندما تستطيع ألا تكون حليمًا. هناك بيت شعر جميل للمتنبي يقول:

كل حلم أتى بغير اقتدار.. حجة لاجئ إليها اللئام

أنت تخاف فلانًا ولا تقدر على أن تؤذيه، لذا تتخذ شكل الحليم الذي غفر للكون ذاته، وكم من مرة تورطت فيها في مشاجرة مع شخص عالي الصوت وقح، فظللت صامتًا. بعد المشاجرة تقول لمن شاهدوك:

ـ"أردت ألا أخطئ.. ظللت صامتًا وتركته يخطئ.."

لكنك في الحقيقة تتمنى لو مُنحت الفرصة لأن تخطئ، وأن يعلو صوتك أكثر من خصمك.  

ثمة وكيل نيابة من معارفي- وهو شخص نبيل نادر الطراز -  تعرَّض منذ أعوام لموقف سيء؛ إذ ترجل من سيارته أمام مقر النيابة.  فتح سائق سيارة أجرة الباب بعنف فأسقطه أرضًا. نهض صاحبنا ووجَّه للسائق لومًا خافتًا من طراز (خذ – الحذر – لو سمحت) لكن سائق الأجرة، الفظ، الذي أخذته العزة بالإثم لم يكن مستعدًا لأي لوم من أي نوع، فانفجر في أداء مذهل من الشتائم والإهانات، مع سيل من ذكر عورات الأمهات.  لم يفهم الحقيقة. لم يصدق ما اقترفه إلا عندما خرج رجال الشرطة من البناية يقيدونه ويوسعونه ضربًا لأنه أهان "الباشا"، ثم يجرونه إلى المكتب جرًا.  قال لي وكيل النيابة – وأنا أثق بصدقه – إن السائق راح يبكي كالنساء ويلطم خديه طالبًا الرحمة. وجَّه له وكيل النيابة بعض اللوم والتقريع ثم سمح له أن ينصرف وهو مذهول.  

كل حلم أتى بغير اقتدار..  حجة لاجئ إليها اللئام. وقد كان وكيل النيابة المذكور مقتدرًا. 

 

-----------------------------------------------------------------

د.أحمد خالد توفيق يستأذن قارئ «اليوم الجديد» في إجازة قصيرة

التعليقات