أكل زبالة (2)

أكل زبالة (2)
عندما ظهرت مطاعم الوجبات السريعة، وعندما صار طفلاى واعيين للمكان والزمان، فإنهما اعتبرا هذه المطاعم جنة الأطفال. دخولها مكافأة والحرمان منها تنكيل، وعندما كانت الانتفاضة الفلسطينية فى ذروتها حرمت على نفسى وأسرتى بعض المطاعم الأمريكية الشهيرة، مع قائمة طويلة من المنتجات والمحلات والمشروبات.. لكن الطفلين لم يفهما مبرر هذا النوع القاسى جدًّا من العقاب. بعد فترة طويلة من المقاطعة فطنت إلى أننى العربى الوحيد الذى يطبقها، ورأيت زجاجات البيبسى كولا على موائد اجتماع القادة الفلسطينيين فى ذروة المذابح الإسرائيلية. هكذا تفككت المقاطعة ببطء وقد كنت من أكبر دعاتها. ليس هذا موضوعنا على العموم.. ما أردت قوله هو أن الأطفال منذ اللحظة الأولى وقعوا فى غرام تلك المطاعم، وكان ابنى يحكى لى وهو طفل عن (عمو ماكدونالد) الذى يحب الأطفال ويقدم لهم الشطائر والمشروبات الغازية، ولم يقتنع أن أباه الأحمق هو من يدفع ثمن هذا، وأنه لو مات جوعًا أمام (عمو ماكدونالد) فلن يعطيه لقمة مجانية واحدة.
لا عجب فى هذا لأن التركيز مهم جدًّا على الأطفال فى حضارة الوجبات السريعة أو الأكل الزبالة كما قلنا، لأن الآباء الأمريكيين يشعرون بالذنب لقضائهم أقل وقت مع صغارهم، من ثم ينفقون المزيد من المال على سبيل الاعتذار العاطفى، وهكذا صارت الثمانينيات تدعى (عقد المستهلك الطفل).. والقاعدة التى يعرفها هؤلاء هى أن ولاء الطفل مدى حياته لعلامة تجارية ما يبدأ فى سن سنتين.. أى إنه يعرف رمز ماكدونالد قبل أن يعرف اسمه هو نفسه. يجب أن يؤمن الطفل أن شركة ماكدونالد (تهتم بى وتعرفنى) وهو ما رأيناه فى حالة طفلىّ. لهذا السبب تشغل محلات ماكدونالد نحو 8000 ملعب للأطفال فى الولايات المتحدة.. هكذا تتحول هذه المحلات إلى مكان لتجمع الأسرة وإنفاق نقود أكثر، خصوصا مع ابتكار غرف الكرات البلاستيكية والزحافات. خبراء نفسية الأطفال فى هذه الشركات يعرفون أن العنصر الأهم هو الدُّمى..  لقد أدى تسويق الدمى إلى بيع عشرة ملايين (وجبة سعيدة) عام 1997.. ثم جاء التكامل الأهم والأخطر مع شركة ديزنى.. إن ماكدونالد وكوكاكولا وديزنى شىء واحد كبير فى الواقع.. بعد هذا جاءت خطوة غزو المدارس الأمريكية.. نتيجة لهذا قال إخصائى غذائى بارز: «لدينا الآن جيل أطفال هو الأكثر بدانة والأقل لياقة غذائية فى تاريخ الولايات المتحدة».
هناك تكامل آخر مهم مع شركات كوكاكولا وببيسى وشويبس.. إن مطاعم ماكدونالد تحقق أعلى مبيعات للكوكاكولا، وهكذا زاد عدد السعرات التى يستهلكها المواطن الأمريكى إلى ثلاثة أضعاف. وتراجع استهلاك اللبن تمامًا.. بل إن هذه الشركات تشجع أن يُسقى الرضع المياه الغازية وقامت بابتكار (بزازة) خصيصًا لهذا الغرض! قرأت مقالاً للصديق العزيز د.ميشيل حنا، عرفت منه أن الكولا تغسل حلمات التذوق مما يستقر عليها من مذاق، وهكذا فإن أول رشفة كولا تعيد للمذاق طزاجته وجدّته بعد ما اعتاده اللسان.
هذه الشركات فعلت كل شىء ممكن لإبقاء نقابات العمال بعيدًا عن مطاعمها، وفى العام 1973 تبين أن بعض المديرين أجبروا مستخدميهم على الخضوع لجهاز كشف الكذب لسؤالهم عن النشاطات النقابية، مع تهديد بالفصل فى حالة الامتناع.
يأخذك المؤلف بعد هذا إلى مركز تدريب ماكدونالد، حيث الشعار هو ‪QSCV‬ بمعنى (النوعية – الخدمة – النظافة – القيمة). هذا المركز يقدم شهادات تخرج فى الهامبرجر!.. ثم يأخذك المؤلف إلى معمل سيمبلبوت فى أبردين، حيث يتم إعداد البطاطس المقلية. سيمبلبوت هو ملك البطاطس المقلية، وهو فلاح بدأ من الصفر ثم استطاع أن يتحالف مع شركة ماكدونالد بحيث تصير منتجاته جزءًا من وجباتها.. اليوم هو أكبر مالك أراضٍ فى الولايات المتحدة.. إن سر جودة هذه البطاطس هو اعتماد القلى على دهن البقر المشبع، ثم استخدام هذه الكلمة الغامضة: النكهة الطبيعية..
هناك فى الكتاب فصل كامل عن أكذوبة النكهة الطبيعية التى تحتكرها مصانع مجهولة تحقق واحدًا ونصف مليار دولار فى السنة، وخلطاتها سرية تمامًا.. إن هذه المصانع تقع على جانبى طريق نيوجيرسى، وتذكرك بمصانع الأسلحة الكيماوية، والعاملون فى هذا المجال قلة ويميزون شغل بعضهم.. إن نكهة الفراولة مثلاً تنتج عن تفاعل 350 مادة بكميات صغيرة جدًا.. ونكهة الفيشار تسببها مادة (ميثيل 2 بريدايل كيتون).. يسخر المؤلف من عبارة (نكهة طبيعية) هذه فأسيتات الأميل تعطى رائحة الموز مثلاً.. بعض المعامل تنتج نكهة الزبد (الفلاحى) وبعضها ينتج نكهة البطاطس الخاصة بماكدونالد.. مطاعم «بيرجر كنج» تعتمد على نكهة (رائحة الدخان) التى تنتجها شركة السهم الأحمر عن طريق جمع مكونات رائحة حرق نشارة الخشب.. جرب المؤلف فى أحد  المعامل روائح العشب والزيتون الأسود والكرز والبصل والجمبرى.. كل هذا بمجرد شم منديل مبلل من زجاجات صغيرة.. بالمناسبة لا تطلب منظمة ‪FDA‬ من هذه الشركات إفشاء سر نكهاتها.
فكرت ماكدونالد فى طريقة لمنافسة كنتاكى.. ماذا عن لحم دجاج فى حجم ظفر اليد يمكن أكله بسهولة من دون (لغوصة)؟.. هكذا ولدت (الناجت ‪Nuggets‬) عام 1979.
ينتقل المؤلف بعد هذا إلى المسالخ التى يدخلها 5000 رأس ماشية يوميًا.. هناك يمشى بحذاء ذى رقبة وسط بركة دماء ليرى تعبئة الهامبرجر.. رائحة الروث تخنقه والضجيج يصم الآذان.. سير طويل تتعلق منه الماشية التى ترفس بقدميها بينما يقف رجل يسمونه (الطاعن) يشق رقبة عجل كل عشر ثوان.. هذا بعد ما يقوم رجل آخر بإطلاق طلقة هواء مضغوط على رأسها كى تفقد الوعى أثناء الذبح..  طبعًا يتعرض العمال طيلة الوقت لاحتمال طعنة قاتلة مع سرعة العمل (175 رأسًا فى الساعة).. ثمة عامل فقد إصبعين من يده لكنه عاد مضطرًا للعمل فى الأسبوع التالى ليقول له المشرف: «إن كانت يدك مصابة فاستعمل الأخرى».
لقد وصف عضو الكونجرس توم لانتوس شركة ‪IBP‬ لتعليب اللحم بأنها (أكثر الشركات لا مسؤولية وإهمالاً فى أمريكا).
قديمًا قال أحد النقاد: «إن أكل الهامبورجر آمن كأكل اللحم من صفيحة زبالة»، ويبدو أن هذه المقولة ما زالت صادقة نوعًا ما.. إن المؤلف يحكى عن ذلك الداء الرهيب المصاحب لأكل الهمبرجر الذى اكتشف عام 1993، والذى يسبب إسهالاً داميًا وتكسيرًا للدم وفشلاً كلويًّا ‪HUS‬؛ بسبب بكتريا (إشرشيا كولاى).. والذين يظلون أحياء يصابون بالعمى أو التلف الدماغى..  وقد أدت تحقيقات الإدارات الصحية إلى سحب 35 مليون رطل من لحم البقر المفروم من الأسواق. هناك عشر جراثيم عرفها العلم خلال العقدين الأخيرين ارتبطت بهذه الوجبات الجاهزة.. إنها جراثيم من حيوانات تبدو سليمة ظاهريًا، ولكن روثها أو محتويات أمعائها لامست اللحم.
أما الكارثة الأخرى فهى ناجمة عن إطعام الحيوانات الميتة للمواشى، وهو ما أدى لظهور جنون البقر فى إنجلترا، أو ما يعرف فى الإنسان بداء (ياكوب كروتسفلت).
يذكر أبتون سنكلير قصصًا مرعبة عن فئران ميتة نقلها عامل بالمجرفة ضمن اللحم، وذبح حيوانات مريضة، واستخدام البوراكس لإخفاء رائحة اللحم الفاسد، وحديثًا صور فيلم فيديو عمال مطعم (بيرجر كنج) وهم يعطسون فى الطعام، وينظفون أنوفهم بأصابعهم، ويلعقون بقايا السلطة، وينفضون السجائر فى وجبات على وشك الخروج للزبائن،  بعضهم كان يبصق فى الوجبات قبل تقديمها على سبيل الانتقام الطبقى كما رأينا فى قصة (نادى القتال). وعلى كل حال يتهم الكتاب الجمهوريين بأنهم يتعمدون التساهل فى إجراءات فحص اللحوم خدمة لأصدقائهم من ملوك اللحوم.
باختصار يعتبر المؤلف هذه الشركات (الشيطان الأكبر).. وهذا الكلام ليس من عندى بل هو كلامه حرفيًّا.
هكذا ترى أننى لم أكن مخطئًا تمامًا عندما فضلت الأكل فى طبق معدنى على عربة فول. هو موقف مزاجى تبين بالصدفة أنه موفق سياسيًّا وصحيًّا.
 
 
التعليقات