أكل زبالة (1)

أكل زبالة (1)
منذ عشرة أعوام كنت أشرح لطلبة الطب علامات نوع من الحميات، فقلت إنها تحدث ورمًا شبيهًا بالدوناتDoughnut granuloma  فى الكبد .. هذه التشبيهات الغذائية المقرفة شائعة فى عالم الباثولوجيا، ويطلقون عليها اسم (باثولوجى محلات الأطعمة Delicatessen pathology ). نظر لى الطلبة فى حيرة.. ما معنى الدونات؟. شرحت لهم أنه نوع من العجين الخواجاتى يُباع فى المهندسين والزمالك ورسمته لهم، وقلت:
ـ "هو نوع ممسوخ من كعك العيد (الحلقات) الذى كانت تصنعه المرحومة أمى".
بعد قليل قلت إن انسداد أوردة الكبد الصغيرة يحدث نتيجة لأكل الجُعضيض والرِجْلَة، كما علمنا فقيد الطب العظيم د. فؤاد ثاقب. عادوا ينظرون لبعض فى حيرة. فقلت لهم:
ـ "اختاروا طبقتكم.. إما أن تعرفوا الدونات مثل (شيرى) وإما تعرفوا الجُعضيض مثل (ست أبوها).. لكن من الصعب ألا تسمعوا عن الاثنين!".
فى ما بعد صار الدونات فى كل مكان وعلى كل لسان، ولكن الطلبة ما زالوا لم يسمعوا عن الجُعضيض والرِجْلَة. وما زلت لا أستطيع أن أجد لذة فى (الدونات) وهذا هو موضوعنا.
ذهبت لمطاعم كثيرة فى حياتى، فى مصر أو الخارج، بعضها فاخر وراقٍ فعلاً. لكنى لم أنعم قط بمتعة الأكل إلا فى ذلك المطعم الرهيب الشبيه بوكر عصابة فى إحدى حارات كلوت بك.. حيث تسند المنضدة بركبتك حتى لا تسقط لأن إحدى أرجلها مكسورة، بينما القطط تلتف حولك وهى تنظر لطعامك فى حقد وحسد. إلى أن تلقى لها بأول قطعة لحم من البرام طبعًا. أما عن الشطائر ومأكولات التيك أوى، فأنا أول من صنع البيتزا واللازانيا والرافيولى والكانيلونى فى مجتمعى فى أوائل الثمانينيات، وكنت أقرأ عن هذه الأطعمة وأراها فى الأفلام الأمريكية. وجدت الوصفات فى مجلات غربية فجربتها. وقد قدمتها لمعارفى فى وقت كانوا يطلقون على هذا اسم (فطير). لكنى لم أستطع أن أحبها قط سواء من يدى أو من يد الطهاة المحترفين.. ظللت أشعر أن البيتزا مثلاً رغيف خبز مشوه فى ظروف غامضة.
كذلك لم يرُق لى الهامبورجر قط منذ عرفته طنطا لأول مرة عام 1985 (حتى فى مجلة ميكى كان بطوط يأكل الهامبورجر فيترجمونه طعمية!).. خجلت من الاعتراف بذلك، حتى وجدت د. جلال أمين المفكر الاقتصادى الكبير يقول إنه مجرد وهم، ولا مذاق له تقريبًا إلا بما يضاف له من طقوس الكيتشاب والمايونيز والبطاطس المقلية والمياه الغازية... الغربيون يطلقون على هذه الوجبات الجاهزة مصطلح (أكل زبالة أو نفايات) فهل أنا أذكى منهم؟. أما عن السوشى فرأيى أنه أكلة مرعبة لا أكثر. طعام يبدو كالجاتوه وله مذاق الرنجة. مسألة أذواق بالتأكيد لأن الشباب يعشقه.
أما ما راق لى فعلاً فهو شطائر الكفتة والكبدة الشعبية التى يبيعها عم (صلاح) فى ذلك المطعم جوار السوق، ومعها كوب من ماء النار الحارق هو ماء السلطة بالشطة التى يطلق عليها (خمر الصالحين)..  هذه الشطائر اختراع جهنمى عليك مقاومته حتى لا يزداد وزنك عدة كيلوجرامات. أما عن لحمة الرأس والعكاوى والممبار فهذا موضوع آخر..!
فإذا جاء موعد الإفطار فأنا أعشق أكل الفول والفلافل من عربة فول.. تحك الرغيفين لتتساقط الردة الزائدة، ثم تدس لقمة الخبز فى تلك الأطباق المعدنية الصغيرة وتهشم بصلة بقبضتك. تخيل أن فى هذه اللحظة هناك بؤساء يفطرون بعصير البرتقال والكرواسان أو ما يسمونه (إفطار إنتركونتننتال) ؟ مساكين!!
وجدت ما يؤيد وجهة نظرى فى كتاب اسمه (حضارة الوجبات الجاهزة) وهو كتاب عرضته من قبل فى موقع إنترنت، لكن المقال تبخر ونُسى، لذا أعيد تلخيصه هنا.
كلنا يعرف أن وجبات الهامبورجر والدجاج التى تقدمها سلاسل المطاعم المتأمركة (موش تمام)، لكننا لا نعرف التفاصيل، أو أن لدينا فكرة مبهمة عن الأمر برمته. بالنسبة لنا نجد أن نسبة لا بأس بها ممن يرتادون محلات الوجبات الجاهزة الأمريكية لا يفعلون ذلك لأنهم يحبونها، بل لما يحظون به من (ممارسة للأمركة) على أرض وطنهم، وهم يدفعون ثمن هذه الممارسة غاليًا.. إن هذه المحلات لا تبيع طعامًا لكنها تبيع جوًا وطقوسًا وهى تعرف هذا..
فى هذا الكتاب الممتع يأخذك المؤلف (إيريك شلوسر) من يدك ليدخل بك الكواليس الخلفية لهذه الصناعة الأمريكية الهائلة.. يقف بك فى المذبح ويمشى معك وسط الحظائر.. وفى النهاية تتكون الصورة الرهيبة ببطء...
يبدأ (شلوسر) كتابه بقول إن هذه الوجبات (صناعة تطعم الأطفال وتسىء تغذيتهم فى الوقت ذاته).. وقد ترافقت مع موسيقا البوب وأفلام هوليوود والجينز كمصدرات ثقافية أمريكية، لكنها هى المنتج الوحيد الذى يدخل جسمك بالمعنى الحرفى للكلمة.
يحكى الكتاب منذ البداية عن النماذج الأمريكية الناجحة التى استطاعت تكوين هذه الصناعة الهائلة. الملاحظة المهمة أن كل هؤلاء جمهوريون يمينيون جدًّا مؤمنون بالتفوق الأمريكى وأهمية العمل الفردى، وغالبًا من المتعصبين ذوى الأعناق الحمر.. هذا يعنى ببساطة أن هذه أطعمة استعمارية، ولن أنسى أبدًا الجندى الأمريكى الذى كان يكلم مراسل الجزيرة وهو يقف جوار مدفع الدبابة فى بغداد، فيقول له: "الولايات المتحدة لم تقصف قط أى بلد فيه فرع لمكدونالد!".
لا أعنى بهذا أن مقتى لهذه الأطعمة ناجم عن موقف سياسى يسارى حصيف.. فقط لم أحب طعمها، وتصادف أن هذا هو الخيار الصحيح سياسيًّا! يبدو أن لحمة الراس والممبار وعصير القصب يعبرون عن رفض الهيمنة الأمريكية بالإضافة لطعمهم الرائع!
(كارل كوتشر) الفلاح الأمريكى من أوهايو، والذى صاحب صعوده التجارى صعود السيارة فى المجتمع الأمريكى (الأعوام 1920 إلى 1940)، عندما نشأت إبداعات جديدة مثل الموتيل (فندق السيارات) والمطاعم المتخصصة للمنتقلين.. عام 1945 ابتاع (كوتشر) مطعمًا فى كاليفورنيا، فى ذات الوقت الذى كان فيه الأخوان (ماكدونالد) يحققان نجاحهما عندما استخدما أسلوبهما الجديد فى الشواء وتقديم الخدمة وألغيا كل أدوات الطعام تقريبًا (لأن الزبائن كانوا يسرقونها على كل حال).. تعلم (كوتشر) أساليب الأخوين وطبقها فى سلسلة مطاعم Jr.. ثمة ناجح آخر هو (هارلاند ساندرز) الذى مارس عمله كنصاب أولاً، ثم تنكر فى ثياب كولونيل، واتجه إلى إنشاء مطاعم للدجاج المقلى فى كنتاكى .. هكذا صارت صناعة الوجبات الجاهزة عماد الاقتصاد الأمريكى..
وللحديث بقية..
التعليقات