قاطعوهم قبل أن يقاطعوكم

قاطعوهم قبل أن يقاطعوكم

 

مع ما واجهته السينما المصرية من تراجع واضح فى السنوات التى أعقبت ثورة 25 يناير، تحولت الدراما التليفزيونية إلى ملجأ آمن لكثير من صناع السينما، ولكن هذا اللجوء السياسى الذى فرضته الأوضاع السياسية المتشابكة، التى أدت لانسحاب كبار المنتجين من الساحة خوفا على رأس مالهم المتراكم، تاركين الساحة لصغار المنتجين، ساهم فى تطور الدراما التليفزيونية المصرية بشكل كبير، مع ضخ دماء جديدة فى أوردتها التى تكلست بالنمطية، وهو ما زاد من حجم الإنتاج الدرامى، مع إقبال الجمهور على أعمال خرجت عن السائد، وقدمت نوعيات لم تكن موجودة على الساحة المصرية والعربية، ليتحول اللاجئين من غزاة إلى مكتشفين وبنائين ساهموا فى تعمير الأرض الخراب للدراما المصرية.

وفى النسخة السابقة لـ«اليوم الجديد» حذرنا من مناخ الاحتكار، الذى فرضته التكتلات الإنتاجية والإعلامية الكبيرة، التى استحوذت على الشاشات المصرية مؤخرًا، وبالتالى تحكمت فى المعروض عبر نوافذها الإعلامية، وتأثير ذلك على مستقبل الدراما المصرية، خاصة مع حالة الصمت التى خيمت على الوسط الفنى، الذى يترقب ويتابع ويهمس، دون قدرة على الصراخ خوفًا من بطش الكبار، ولكن هذه الحالة من الخوف المبرر، كسرتها المخرجة كاملة أبو ذكرى بتدوينة عبر صفحتها بموقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، تعرضت فيها لآثار تأجيل أو توقف الأعمال الدرامية، محاولة أن تلفت الانتباه إلى أن توقف الأعمال الدرامية لا يؤثر على ممثل أو مخرج أو مؤلف فقط، ولكنه يغلق أبواب الرزق فى وجه مئات من العاملين فى المهن السينمائية، والمهن المساعدة التى تضم عشرات من الحرفيين، مما يهدد أرزاق أكثر من مليونى مصرى يعملون فى هذا الوسط.

واللافت أن تدوينة كاملة أبو ذكرى التى قدمت طرحا إنسانيا، لاقت قبولا من أغلب العاملين فى الوسط الفنى، فقام عدد كبير من الممثلين والمخرجين والمؤلفين والمهتمين بالشأن الدرامى بإعادة نشرها، فى مظاهرة إلكترونية امتدت إلى أغلب مستخدمى «فيسبوك» من العاملين بالوسط الفنى، الذين توقعوا أن يأتيهم رد ولو غير مباشر من المتحكمين فى مصائرهم، أو يرون شيئا من الرفق ببسطاء المهنة التى ركزت عليهم كاملة أبو ذكرى فيما كتبته، لتلفت نظر الكبار إلى أفواه قد لا تجد قوتها أو قوت أبنائها.

ولكن ما صاغته إنسانية كاملة التى تجمد مسلسلها الجديد هى الأخرى، أغفل التأكيد أن هذه الإجراءات تحمل مخالفة للقانون الذى يؤكد فى مواده المختلفة على أهمية تكافؤ الفرص فى المنافسة التجارية، إذا ما تجاهلنا الجانب الفنى والثقافى للدراما التليفزيونية، وتعاملنا معها باعتبارها صناعة، وإذا تحدثنا عن الجدوى الاقتصادية، فصناع الأعمال الدرامية غير مسئولين عن خسائر الفضائيات المصرية، التى تتنافس فى الاستحواذ على أعمال درامية لا تجد لها غطاءً إعلانيا يحقق لها العائد المرجو لتغطية تكلفة حقوق هذه الأعمال، وليس من الإنصاف أن تعوض الشاشات خسائرها من جيوب المنتجين تارة، بتخفيض أسعار شراء المسلسلات، ثم من جيوب العاملين فى الصناعة تارة أخرى، بإجبار المنتجين على تخفيض أجور العاملين فى المسلسلات التى ينتجونها، وهو ما حدث بالفعل فى الموسم الماضى، بعد أن تم تخفيض أجور أغلب العاملين فى الدراما التليفزيونية بنسبة 50%، ومع التحضير للموسم الجديد ترددت أنباء عن رغبة المنتجين فى تخفيض 50% أخرى لإرضاء الفضائيات بتخفيض فاتورة الإنتاج الدرامى، وهو ما يعنى أن العاملين فى هذه المهنة لم يحصلوا على إعانة غلاء، مع ما نواجهه من إجراءات إصلاح اقتصادى، ساهمت فى تقليص الدعم وبالتالى رفع الأسعار على الجميع بلا تمييز، ولكنهم فى المقابل مطالبون بالعمل بربع أجرهم إذا أرادوا الحفاظ على أرزاقهم فى صناعة يقترب الاستثمار فيها من 2 مليار جنيه سنويا، ويعمل بها على عهدة كاملة أبو ذكرى أكثر من 2 مليون مواطن، رغم تحفظى على الرقم مع عدم وجود إحصائية حقيقية للعاملين فى هذه الصناعة، فى الوقت التى تسهم فيه هذه الصناعة بعيدا عن كونها قوة ناعمة للبلاد، فى زيادة الدخل القومى، من خلال الضرائب التى تصل إلى ربع الأرباح التى يحققها أى عمل فنى، أو ربع أجور النجوم والمخرجين والمؤلفين، إضافة إلى ما يدفعونه من رسوم وتصاريح تصوير ورسوم رقابة ومصنفات فنية، وهو ما يعنى أن الدولة تحصل من هذه الصناعة على مئات الملايين سنويًا، ليأتى المكلفين بإصلاح المنظومة الإعلامية، ليقلصوا الإيرادات الموجهة إلى خزينة الدولة بقرارات عشوائية، الهدف منها التحكم ثم التحكم ثم التحكم، بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية، التى من الممكن أن تتحقق وتضيف إلى الدخل القومى، إذا لم يتم استغلال الشاشات فى عرض أعمال جهات مرتبطة بها، بغض النظر عن قواعد العرض والطلب، أو قيمة المنتج الفنى.

وفى النهاية لا أعتقد أن اللايك والشير وترويج بوستات لكاملة أبو ذكرى وغيرها من المعنيين بمستقبل الصناعة قد يكون حلًا أو وسيلة ضغط على الكبار الذين تربعوا على عرش الإعلام المصرى، ولكن يجب أن تجتمع الساحة الفنية على كلمة سواء، وتفرض شروطها كما تشاء، لأن الشركات التابعة لكهنة الإعلام المصرى الجديد، لن تستطيع سد احتياجات الشاشات المصرية والعربية، قاطعوهم كما قاطعوكم لتربحوا كرامة مهنتكم الجليلة، فلو انحاز العشرة الكبار من نجومنا لحقوقكم فى حرية الإنتاج والتسويق، ولو انحاز العشرة الكبار من المنتجين لمطالبكم العادلة لانهار مناخ الاحتكار، ولو اكتتبتم وأنقذتم البقية الباقية من الفضائيات المتعثرة التى لم تعانى هى الآخرى من التكتلات الاحتكارية، أو أعدتم الدراما المصرية إلى عمقها العربى بالاهتمام بالتسويق الخارجى، بالتحرك نحو شمال أفريقيا إلى جانب التوجه الخليجى ستجدون ما يغنيكم عنهم، وإذا فكرتم فى أبعد من ذلك وتوجهتم نحو الدول الأجنبية التى لن ترفض أعمالا تحمل ترجمة أو دوبلاج ستفيدون الدولة التى صمتت على التنكيل بكم بالمزيد من العملة الصعبة، والمزيد من الضرائب التى تسهم فى بناء البلاد، فهم يعملون بسياسة النفس الطويل، وثورتكم وحدها على الأوضاع الخاطئة هى ما تنجيكم وتنجى الصناعة من ويلات الاحتكار.

 

التعليقات