شهادة حق وليس رثاءً فى حق شيخنا عبد الغفار العيسوى

شهادة حق وليس رثاءً فى حق شيخنا عبد الغفار العيسوى

 

منذ سنوات كنا أربعة نجلس سويا على منضدة متواضعة بنادى التجارة بشبين الكوم بمحافظة المنوفية، كان أكثرنا شهرة فى مجال الصحافة بالمنوفية هو ذلك الرجل أسمر اللون، أبيض القلب الأكثر نشاطا وحيوية فى كل الجالسين، مع أنه أكبرهم سنا جميعا.. كان الحلم الذى أعرضه فى هذه الجلسة هو إصدار جريدة شهرية فى المنوفية نجحنا فى استخراج رخصة أجنبية لها.. كان فى ذلك الوقت لا يوجد أى جرنال محلى فى المنوفية غير جريدة المنوفية التى تصدرها المحافظة! عندما تحدثت إليه قبل هذه الجلسة عن هذا الحلم الذى يراودنى كان أكثر الناس تشجيعا لى وللإصدار الجديد، وعندما علم أنه سيكون إصدارا مستقلا كاد أن يطير فرحًا بذلك لأنه كان دائما يرى أن عمله كمراسل صحفى بمحافظة المنوفية لمدة طويلة لجريدة حكومية جعله دائما يهتم بالأخبار المحلية الحكومية وتحكمه قواعد لا يمكن أن يخرج عنها.. لذلك كان سعيدا للغاية وهو يستعد للمشاركة فى إصدار صحيفة ليست حكومية حتى «يكون على راحته كما كان دائما يقول».

كان كل الجالسين معنا فى هذه الجلسة من اختياره هو، فأنا شخصيا كنت بعيدا عن الجو الصحفى المنوفى.. وبعد أيام قليلة نجح فى استجلاب صحفيين كُثر من المحافظة لينضموا إلى القافلة الصحفية الجديدة.. كان متحمسا للتجربة إلى درجة غير عادية.. والأغرب كونه أكبر الزملاء سنا ولكن أكثرهم التزاما وجدية فى العمل.. تطلب منه موضوعا أو تحقيقا أو مقالة بعد وقت قصير تجده أمامك ومعه الشغل، وهو مرتب بطريقة تدعو للدهشة، والأغرب أن الشباب الزملاء الآخرين لم يصل أحد منهم إلى هذا المستوى المحترم فى الاهتمام بالعمل الصحفى مثل ما كان يهتم هذا الرجل المحترم..!!

ظل مساندا وداعما للتجربة بصورة كبيرة ونشأت بينى وبينه أواصر الصداقة والزمالة التى كان من الصعب أن تنقطع أو حتى ينجح أحد فى التأثير عليها.. لأننى أزعم أننى استطعت بعد فترة من التعامل معه أن أفهم شخصيته جيدا وتعاملت معه كما ينبغى أن يتم التعامل معه، فهذه الشخصية لرجل جاد.. ساخر فى كثير من الأحيان فى التعبير عن الجد، وقلبه أبيض لدرجة غير عادية.. سريع الانفعال والغضب ولكنه فى دقائق معدودة يهدئ من حوله أو من غضب منه.. يعتز كثيرا بذاته وبعمله وبشخصيته وبتاريخه ناقم على الجو الصحفى المحلى، وبخاصة بعض شباب الصحفيين فى المحافظات والذين لا يلتزمون بآداب المهنة.

شخصية تعطيك دائما شعورا بأنك أمام رجل محترم، لذلك لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يتعامل معه أحد ولا يحترم تاريخه.. لذلك كل المحافظين الذين عاصرهم الرجل كان لهم نعم الرجل الإعلامى المحترم وكان دائما سفير النوايا الحسنة عندما تقع مشكلة بيننا وبين المحافظين وما أكثرها.. أهما ماحدث بينا وبين أحد المحافظين السابقين للمحافظة من كونه أحد المحررين كتب منتقدا كثيرا من المواقف الحكومية للمحافظة ونشرنا له ذلك وفجأة ركب هذا المحافظ المغوار ثوب البطولة وأصدر قرارا وهميا بإلغاء رخصة جريدة الرسالة الجديدة.

وهذا شىء يدعو إلى الضحك الهستيرى، وأبلغنى شخصيا العم عبد الغفار العيسوى بذلك تليفونيا وكنت خارج المحافظة، وعندما سألته هل هذا الرجل واع لما يقوله ويصدر منه قرارات، قال لى إنه لا يفهم شيئا ولكن أنصحك بالهدوء، قلت له كيف يكون هذا المحافظ مستشارا ولا يعرف القانون وهل من سلطات السيد المحافظ أن يلغى ترخيصا لجريدة، أنا لن أتركه ينجو من هذه الفعلة، وعمنا عبد الغفار العيسوى كان دائما رجلا عاقلا وقال اهدأ فإنى سوف أجهز لقاء لك مع المحافظ ولتشرح له الأمر بهدوء، قلت له وإن لم يتفهم؟ قال: عليك أن تفعل ما تريد أن تفعل وعلى فكرة أنا معك، قالها بكل حزم وقوة، وفعلا تقابلنا أنا والمحافظ فى وجوده وأحمد الله أن الرجل استمع منى الكثير ولم يجد شيئا يقوله غير أننى فهمت أنه يفتح بابا معنا ولا يغلقه، وطلب مجازاة المحرر الذى ما زال نجما صحفيا فى المنوفية إلى الآن وعلى الفور تم إصدار العدد الجديد عنونت موضوع المحرر باسمه تكريما له على ما فعله ويفعله، وكان ذلك محط إعجاب شديد من العم شيخ الصحفيين عبد الغفار العيسوى.

كان شديد الحساسية ضد أى كلمة تقال عن تجربة المنايفة والرسالة الجديدة والجو الصحفى معروف بمؤمراته وسلبياته، لذلك كان عندما يشعر أن هناك شيئا يقال فى حق التجربة كان دائما ينهر أى شخص يقوم بذلك، وكان يجنى من وراء ذلك كثيرا من المشاكل بين الزملاء، مع أنى أقسم أننى لم أطلب منه يوما ذلك بالعكس عندما كان يبلغنى بذلك كنت ألومه وأطلب منه عدم الرد وترك من يقول يقول.

بعد إصدارنا الأول وكعادة الجو الصحفى المحلى فوجئنا بعناصر هامة وكبيرة فى الجريدة تغادرنا، مع أنها من القواعد الأساسية للجريدة، يومها قال لى الشيخ عبد الغفار العيسوى لا تقلق إنهم مجموعة صغار وسيندمون على ذلك، لأنهم ليس لهم فى الطيب نصيب، شرف لأى صحفى أن يشارك فى تلك التجربة، وفعلا ظلت تجربة تسير بخطى ثابتة وبقلوب مفتوحة وبأسلوب جديد فى الصحافة الإقليمية جعلها تتصدر العمل الصحفى فى المنوفية لمدة طويلة.

رحم الله الأستاذ عبد الغفار العيسوى وأدخله فسيح جناته.

عزاؤنا لكل الصحفيين فى المنوفية ولأسرته الكريمة السيدة المحترمة زوجته الغالية التى كان يكن لها كل محبة وتقدير وأولاده جميعا.

التعليقات